الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
181
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
أحدها : أن آيات صدق النبي صلّى اللّه عليه وسلّم واضحة لولا أن عقولهم لم تدركها لفساد إدراكهم . الثاني : أن الآيات الواضحة الحسية قد جاءت لأمم أخرى فرأوها ولم يؤمنوا ، كما قال تعالى : وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها [ سورة الإسراء : 59 ] . الثالث : أن لعدم إيمانهم أسبابا خفية يعلمها اللّه قد أبهمت بالتعليق على المشيئة في قوله : يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ منها ما يومئ إليه قوله في مقابلة وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ . وذلك أنهم تكبروا وأعرضوا حين سمعوا الدعوة إلى التوحيد فلم يتأملوا ، وقد ألقيت إليهم الأدلة القاطعة فأعرضوا عنها ولو أنابوا وأذعنوا لهداهم اللّه ولكنهم نفروا . وبهذا يظهر موقع ما أمر الرسول - عليه الصلاة والسّلام - أن يجيب به عن قولهم : لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ بأن يقول : إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ ، وأن ذلك تعريض بأنهم ممن شاء اللّه أن يكونوا ضالين وبأن حالهم مثار تعجب . والإنابة : حقيقتها الرجوع . وأطلقت هنا على الاعتراف بالحق عند ظهور دلائله لأن النفس تنفر من الحق ابتداء ثم ترجع إليه ، فالإنابة هنا ضد النفور . [ 28 ، 29 ] [ سورة الرعد ( 13 ) : الآيات 28 إلى 29 ] الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ( 28 ) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ ( 29 ) استئناف اعتراضي مناسبته المضادة لحال الذين أضلهم اللّه ، والبيان لحال الذين هداهم مع التنبيه على أن مثال الذين ضلوا هو عدم اطمئنان قلوبهم لذكر اللّه ، وهو القرآن ، لأن قولهم : لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ يتضمن أنهم لم يعدوا القرآن آية من اللّه ، ثم التصريح بجنس عاقبة هؤلاء ، والتعريض بضد ذلك لأولئك ، فذكرها عقب الجملة السابقة يفيد الغرضين ويشير إلى السببين . ولذلك لم يجعل الَّذِينَ آمَنُوا بدلا من مَنْ أَنابَ [ الرعد : 27 ] لأنه لو كان كذلك لم تعطف على الصلة جملة وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ ولا عطف وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ على الصلة الثانية . ف الَّذِينَ آمَنُوا الأول مبتدأ ، وجملة أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ معترضة و الَّذِينَ آمَنُوا الثاني بدل مطابق من الَّذِينَ آمَنُوا الأول ، وجملة طُوبى لَهُمْ خبر المبدأ . والاطمئنان : السكون ، واستعير هنا لليقين وعدم الشك ، لأن الشك يستعار له