الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

180

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والمراد بالحياة الدنيا وبالآخرة نعيمهما بقرينة السياق ، فالكلام من إضافة الحكم إلى الذات والمراد أحوالها . و فِي ظرف مستقر حال من الْحَياةُ الدُّنْيا . ومعنى فِي الظرفية المجازية بمعنى المقايسة ، أي إذا نسبت أحوال الحياة الدنيا بأحوال الآخرة ظهر أن أحوال الدنيا متاع قليل ، وتقدم عند قوله : فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ في سورة براءة [ 38 ] . والمتاع : ما يتمتع به وينقضي . وتنكيره للتقليل كقوله : لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ * مَتاعٌ قَلِيلٌ [ سورة آل عمران : 196 - 197 ] . [ 27 ] [ سورة الرعد ( 13 ) : آية 27 ] وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ ( 27 ) عطف غرض على غرض وقصة على قصة . والمناسبة ذكر فرحهم بحياتهم الدنيا وقد اغتروا بما هم عليه من الرزق فسألوا تعجيل الضرّ في قولهم : اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ [ سورة الأنفال : 32 ] . وهذه الجملة تكرير لنظيرتها السابقة وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ [ سورة الرعد : 7 ] . فأعيدت تلك الجملة إعادة الخطيب كلمة من خطبته ليأتي بما بقي عليه في ذلك الغرض بعد أن يفصل بما اقتضى المقام الفصل به ثم يتفرغ إلى ما تركه من قبل ، فإنه بعد أن بينت الآيات السابقة أنّ اللّه قادر على أن يعجل لهم العذاب ولكن حكمته اقتضت عدم التنازل ليتحدى عبيده فتبين ذلك كله كمال التبيين . وكل ذلك لا حق بقوله : وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَ إِذا كُنَّا تُراباً أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ [ سورة الرعد : 5 ] ، وعود إلى المهم من غرض التنويه بآية القرآن ودلالته على صدق الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولهذا أطيل الكلام على هدي القرآن عقب هذه الجملة . ولذلك تعين أن موقع جملة إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ موقع الخبر المستعمل في تعجيب الرسول - عليه الصلاة والسّلام - من شدة ضلالهم بحيث يوقن من شاهد حالهم أن الضلال والاهتداء بيد اللّه وأنهم لولا أنهم جبلوا من خلقة عقولهم على اتباع الضلال لكانوا مهتدين لأن أسباب الهداية واضحة . وتحت هذا التعجيب معان أخرى :