الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

18

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وأن يعبّروها على وجهها فينشأ فيهم شرّ الحاسد إذا حسد ، فيكيدوا له كيدا ليسلموا من تفوّقه عليهم وفضله فيهم . والكيد : إخفاء عمل يضرّ المكيد . وتقدّم عند قوله تعالى : وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ في سورة الأعراف [ 183 ] . واللّام في لَكَ لتأكيد صلة الفعل بمفعوله كقوله : شكرت لك النعمى . وتنوين كَيْداً للتعظيم والتهويل زيادة في تحذيره من قص الرؤيا عليهم . وقصد يعقوب - عليه السّلام - من ذلك نجاة ابنه من أضرار تلحقه ، وليس قصده إبطال ما دلّت عليه الرؤيا فإنّه يقع بعد أضرار ومشاق . وكان يعلم أن بنيه لم يبلغوا في العلم مبلغ غوص النظر المفضي إلى أن الرّؤيا إن كانت دالة على خير عظيم يناله فهي خبر إلهي ، وهو لا يجوز عليه عدم المطابقة للواقع في المستقبل ، بل لعلّهم يحسبونها من الإنذار بالأسباب الطبيعية التي يزول تسببها بتعطيل بعضها . وقول يعقوب - عليه السّلام - هذا لابنه تحذير له مع ثقته بأنّ التحذير لا يثير في نفسه كراهة لإخوته لأنّه وثق منه بكمال العقل ، وصفاء السريرة ، ومكارم الخلق . ومن كان حاله هكذا كان سمحا ، عاذرا ، معرضا عن الزلّات ، عالما بأثر الصبر في رفعة الشأن ، ولذلك قال لإخوته إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [ سورة يوسف : 90 ] وقال : لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [ سورة يوسف : 92 ] . وقد قال أحد ابني آدم - عليه السّلام - لأخيه الذي قال له لأقتلنّك حسدا لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ [ سورة المائدة : 28 ] . فلا يشكل كيف حذّر يعقوب يوسف - عليهما السّلام - من كيد إخوته ، ولذلك عقب كلامه بقوله : إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ ليعلم أنه ما حذّره إلّا من نزغ الشيطان في نفوس إخوته . وهذا كاعتذار النبي صلّى اللّه عليه وسلّم للرّجلين من الأنصار اللذين لقياه ليلا وهو يشيّع زوجه أمّ المؤمنين إلى بيتها فلمّا رأياه ولّيا ، فقال : « على رسلكما إنها صفية ، فقالا : سبحان اللّه يا رسول اللّه وأكبرا ذلك ، فقال لهما : إنّ الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم وإني خشيت أن يقذف في نفوسكما » . فهذه آية عبرة بتوسّم يعقوب - عليه السّلام - أحوال أبنائه وارتيائه أن يكفّ كيد بعضهم لبعض . فجملة إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ إلخ واقعة موقع التعليل للنهي عن قصّ الرؤيا على