الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
17
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وسيأتي تأويل هذه الرؤيا عند قوله تعالى : وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ [ سورة يوسف : 100 ] . [ 5 ] [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 5 ] قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 5 ) جاءت الجملة مفصولة عن التي قبلها على طريقة المحاورات . وقد تقدّمت عند قوله تعالى : قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها في سورة البقرة [ 30 ] . والنّداء مع حضور المخاطب مستعمل في طلب إحضار الذهن اهتماما بالغرض المخاطب فيه . و بُنَيَّ - بكسر الياء المشدّدة - تصغير ابن مع إضافته إلى ياء المتكلم وأصله بنيوي أو بنييي على الخلاف في أنّ لام ابن الملتزم عدم ظهورها هي واو أم ياء . وعلى كلا التقديرين فإنّها أدغمت فيها ياء التصغير بعد قلب الواو ياء لتقارب الياء والواو ، أو لتماثلهما فصار ( بنيّي ) . وقد اجتمع ثلاث ياءات فلزم حذف واحدة منها فحذفت ياء المتكلم لزوما وألقيت الكسرة التي اجتلبت لأجلها على ياء التصغير دلالة على الياء المحذوفة . وحذف ياء المتكلم من المنادى المضاف شائع ، وبخاصة إذا كان في إبقائها ثقل كما هنا ، لأنّ التقاء ياءات ثلاث فيه ثقل . وهذا التّصغير كناية عن تحبيب وشفقة . نزل الكبير منزلة الصغير لأنّ شأن الصغير أن يحب ويشفق عليه . وفي ذلك كناية عن إمحاض النصح له . والقصّ : حكاية الرؤيا . يقال : قص الرؤيا إذا حكاها وأخبر بها . وهو جاء من القصص كما علمت آنفا . والرؤيا - بألف التأنيث - هي : رؤية الصور في النوم ، فرّقوا بينها وبين رؤية اليقظة باختلاف علامتي التأنيث ، وهي بوزن البشرى والبقيا . وقد علم يعقوب - عليه السّلام - أن إخوة يوسف - عليه السّلام - العشرة كانوا يغارون منه لفرط فضله عليهم خلقا وخلقا ، وعلم أنّهم يعبرون الرؤيا إجمالا وتفصيلا ، وعلم أن تلك الرؤيا تؤذن برفعة ينالها يوسف - عليه السّلام - على إخوته الذين هم أحد عشر فخشي إن قصّها يوسف - عليه السلام - عليهم أن تشتد بهم الغيرة إلى حدّ الحسد ،