الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
142
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والمنابت ، كما دل عليه قوله : وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ . وإنما وصفت بمتجاورات لأن اختلاف الألوان والمنابت مع التجاور أشد دلالة على القدرة العظيمة ، وهذا كقوله تعالى : وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ [ فاطر : 27 ] . فمعنى قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ بقاع مختلفة مع كونها متجاورة متلاصقة . والاقتصار على ذكر الأرض وقطعها يشير إلى اختلاف حاصل فيها عن غير صنع الناس وذلك اختلاف المراعي والكلأ . ومجرد ذكر القطع كاف في ذلك فأحالهم على المشاهدة المعروفة من اختلاف منابت قطع الأرض من الأبّ والكلإ وهي مراعي أنعامهم ودوابّهم ، ولذلك لم يقع التعرض هنا لاختلاف أكله إذ لا مذاق للآدمي فيه ولكنه يختلف شرعه بعض الحيوان على بعضه دون بعض . وتقدم الكلام على وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ عند قوله تعالى : وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ [ الأنعام : 99 ] . والزرع تقدم في قوله : وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ [ الأنعام : 141 ] . والنخيل : اسم جمع نخلة مثل النخل ، وتقدم في تلك الآية ، وكلاهما في سورة الأنعام . والزرع يكون في الجنات يزرع بين أشجارها . وقرأ الجمهور وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ بالجر عطفا على أَعْنابٍ ، وقرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، وحفص ، ويعقوب بالرفع عطفا على جَنَّاتٌ . والمعنى واحد لأن الزرع الذي في الجنات مساو للذي في غيرها فاكتفي به قضاء لحق الإيجاز . وكذلك على قراءة الرفع هو يغني عن ذكر الزرع الذي في الجنات ، والنخل لا يكون إلّا في جنات . وصنوان : جمع صنو بكسر الصاد في الأفصح فيهما وهي لغة الحجاز ، وبضمها فيهما أيضا وهي لغة تميم وقيس . والصنو : النخلة المجتمعة مع نخلة أخرى نابتتين في أصل واحد أو نخلات . الواحد صنو والمثنى صنوان بدون تنوين ، والجمع صنوان بالتنوين جمع تكسير . وهذه الزنة نادرة في صيغ أو الجموع في العربية لم يحفظ منها إلا خمسة جموع : صنو وصنوان ، وقنو وقنوان ، وزيد بمعنى مثل وزيدان ، وشقذ ( بذال