الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

13

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ويجوز كسر هذه التّاء وفتحها ، وبالكسر قرأها الجمهور ، وبفتح التّاء قرأ ابن عامر وأبو جعفر . والنداء في الآية مع كون المنادى حاضرا مقصود به الاهتمام بالخبر الذي سيلقى إلى المخاطب فينزل المخاطب منزلة الغائب المطلوب حضوره ، وهو كناية عن الاهتمام أو استعارة له . والكوكب : النجم ، تقدّم عند قوله تعالى : فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً في سورة الأنعام [ 76 ] . وجملة رَأَيْتُهُمْ مؤكدة لجملة رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً ، جيء بها على الاستعمال في حكاية المرائي الحلمية أن يعاد فعل الرؤية تأكيدا لفظيا أو استئنافا بيانيا ، كأن سامع الرؤيا يستزيد الرائي أخبارا عمّا رأى . ومثال ذلك ما وقع في « الموطّأ » أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « أراني الليلة عند الكعبة فرأيت رجلا آدم » الحديث . و في البخاري أنّ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « رأيت في المنام أني أهاجر من مكّة إلى أرض بها نخل ، ورأيت فيها بقرا تذبح ، ورأيت . . واللّه خير » . وقد يكون لفظ آخر في الرؤيا غير فعلها كما في الحديث الطّويل « إنّه أتاني الليلة آتيان ، وإنهما ابتعثاني ، وإنّهما قالا لي : انطلق ، وإنّي انطلقت معهما ، وإنّا أتينا على رجل مضطجع » الحديث بتكرار كلمة ( إنّ ) وكلمة ( إنّا ) مرارا في هذا الحديث . وقرأ الجمهور أَحَدَ عَشَرَ - بفتح العين - من عَشَرَ . وقرأه أبو جعفر - بسكون العين - . واستعمل ضمير جمع المذكر للكواكب والشمس والقمر في قوله : رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ ، لأن كون ذلك للعقلاء غالب لا مطرد ، كما قال تعالى في الأصنام وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [ سورة الأعراف : 198 ] ، وقال : يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا [ سورة النمل : 18 ] . وقال جماعة من المفسّرين : إنه لمّا كانت الحالة المرئية من الكواكب والشمس والقمر حالة العقلاء ، وهي حالة السجود نزّلها منزلة العقلاء ، فأطلق عليها ضمير ( هم ) وصيغة جمعهم .