الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

14

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وتقديم المجرور على عامله في قوله : لِي ساجِدِينَ للاهتمام ، عبّر به عن معنى تضمّنه كلام يوسف - عليه السّلام - بلغته يدل على حالة في الكواكب من التعظيم له تقتضي الاهتمام بذكره فأفاده تقديم المجرور في اللغة العربيّة . وابتداء قصة يوسف - عليه السّلام - بذكر رؤياه إشارة إلى أنّ اللّه هيّأ نفسه للنبوءة فابتدأه بالرؤيا الصّادقة كما جاء في حديث عائشة « أنّ أوّل ما ابتدئ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - من الوحي الرؤيا الصادقة فكان لا يرى رؤيا إلّا جاءت مثل فلق الصبح » . وفي ذلك تمهيد للمقصود من القصة وهو تقرير فضل يوسف - عليه السّلام - من طهارة وزكاء نفس وصبر . فذكر هذه الرؤيا في صدر القصّة كالمقدّمة والتّمهيد للقصّة المقصودة . وجعل اللّه تلك الرؤيا تنبيها ليوسف - عليه السّلام - بعلو شأنه ليتذكرها كلما حلت به ضائقة فتطمئن بها نفسه أن عاقبته طيبة . وإنما أخبر يوسف - عليه السّلام - أباه بهاته الرؤيا لأنّه علم بإلهام أو بتعليم سابق من أبيه أن للرؤيا تعبيرا ، وعلم أنّ الكواكب والشّمس والقمر كناية عن موجودات شريفة ، وأنّ سجود المخلوقات الشّريفة له كناية عن عظمة شأنه . ولعلّه علم أنّ الكواكب كناية عن موجودات متماثلة ، وأنّ الشمس والقمر كناية عن أصلين لتلك الموجودات فاستشعر على الإجمال دلالة رؤياه على رفعة شأنه فأخبر بها أباه . وكانوا يعدّون الرؤيا من طرق الإنباء بالغيب ، إذا سلمت من الاختلاط وكان مزاج الرائي غير منحرف ولا مضطرب ، وكان الرائي قد اعتاد وقوع تأويل رؤياه ، وهو شيء ورثوه من صفاء نفوس أسلافهم إبراهيم وإسحاق - عليهم السّلام - . فقد كانوا آل بيت نبوءة وصفاء سريرة . ولمّا كانت رؤيا الأنبياء وحيا ، وقد رأى إبراهيم - عليه السّلام - في المنام أنّه يذبح ولد فلمّا أخبره قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ [ سورة الصافات : 102 ] . وإلى ذلك يشير قول أبي يوسف - عليه السّلام - : وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ [ سورة يوسف : 6 ] . فلا جرم أن تكون مرائي أبنائهم مكاشفة وحديثا ملكيا . و في الحديث : « لم يبق من المبشرات إلّا الرؤيا الصّالحة يراها المسلم أو ترى له » . والاعتداد بالرؤيا من قديم أمور النبوءة . وقد جاء في التّوراة أن اللّه خاطب إبراهيم