الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
128
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ملوك المدن الكبيرة فلا دلالة في الآية على نفي إرسال رسول من أهل البادية مثل خالد بن سنان العبسي ، ويعقوب - عليه السّلام - حين كان ساكنا في البدو كما تقدم . وقرأ الجمهور ، يوحى - بتحتية وبفتح الحاء - مبنيا للنائب ، وقرأه حفص بنون على أنه مبني للفاعل والنون نون العظمة . وتفريع قوله : أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ على ما دلت عليه جملة وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا من الأسوة ، أي فكذّبهم أقوامهم من قبل قومك مثل ما كذّبك قومك وكانت عاقبتهم العقاب . أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الأقوام السابقين ، أي فينظروا آثار آخر أحوالهم من الهلاك والعذاب فيعلم قومك أن عاقبتهم على قياس عاقبة الذين كذّبوا الرسل قبلهم ، فضمير يَسِيرُوا عائد على معلوم من المقام الدال عليه وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [ سورة يوسف : 108 ] . والاستفهام إنكاري . فإن مجموع المتحدّث عنهم ساروا في الأرض فرأوا عاقبة المكذبين مثل عاد وثمود . وهذا التفريع اعتراض بالوعيد والتهديد . و كَيْفَ استفهام معلّق لفعل النظر عن مفعوله . وجملة وَلَدارُ الْآخِرَةِ خبر . معطوفة على الاعتراض فلها حكمه ، وهو اعتراض بالتبشير وحسن العاقبة للرسل - عليهم السّلام - ومن آمن بهم وهم الذين اتقوا . وهو تعريض بسلامة عاقبة المتقين في الدنيا . وتعريض أيضا بأن دار الآخرة أشد أيضا على الذين من قبلهم من العاقبة التي كانت في الدنيا فحصل إيجاز بحذف جملتين . وإضافة لَدارُ إلى الْآخِرَةِ من إضافة الموصوف إلى الصفة مثل « يا نساء المسلمات » في الحديث . وقرأ نافع ، وابن كثير ، وأبو عمرو ، وحفص عن عاصم ، وأبو جعفر ، ويعقوب : أَ فَلا تَعْقِلُونَ بتاء الخطاب على الالتفات ، لأن المعاندين لما جرى ذكرهم وتكرر صاروا كالحاضرين فالتفت إليهم بالخطاب . وقرأه الباقون بياء الغيبة على نسق ما قبله . و حَتَّى من قوله : حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ ابتدائية ، وهي عاطفة جملة إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ على جملة وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ باعتبار أنها