الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
129
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
حجة على المكذبين ، فتقدير المعنى : وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا يوحى إليهم فكذبهم المرسل إليهم واستمروا على التكذيب حتى إذا استيأس الرسل إلى آخره ، فإن إِذَا اسم زمان مضمن معنى الشرط فهو يلزم الإضافة إلى جملة تبين الزمان ، وجملة اسْتَيْأَسَ مضاف إليها إِذَا ، وجملة جاءَهُمْ نَصْرُنا جواب إِذَا لأن هذا الترتيب في المعنى هو المقصود من جلب إِذَا في مثل هذا التركيب . والمراد بالرسل - عليهم السّلام - غير المراد ب رِجالًا ، فالتعريف في الرسل - عليهم السّلام - تعريف العهد الذكريّ وهو من الإظهار في مقام الإضمار لإعطاء الكلام استقلالا بالدلالة اهتماما بالجملة . وآذن حرف الغاية بمعنى محذوف دل عليه جملة وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا بما قصد بها من معنى قصد الإسوة بسلفه من الرسل - عليهم السّلام - . والمعنى : فدام تكذيبهم وإعراضهم وتأخر تحقيق ما أنذروهم به من العذاب حتى اطمأنوا بالسلامة وسخروا بالرسل وأيس الرسل - عليهم السّلام - من إيمان قومهم . و اسْتَيْأَسَ مبالغة في يئس ، كما تقدم آنفا في قوله : وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ [ سورة يوسف : 87 ] . وتقدم أيضا قراءة البزي بخلاف عنه بتقديم الهمزة على الياء . فهذه أربع كلمات في هذه السورة خالف فيها البزي رواية عنه . وفي « صحيح البخاري » عن عروة أنه سأل عائشة - رضي اللّه عنها - : « أكذبوا أم كذّبوا - أي بالخفيف أم بالشدّ - ؛ قالت : كذّبوا - أي بالشد - قال : فقد استيقنوا أن قومهم كذّبوهم فما هو بالظن فهي قَدْ كُذِبُوا - أي بالتخفيف - ، قالت : معاذ اللّه لم يكن الرسل - عليهم السّلام - تظن ذلك بربها وإنما هم أتباع الذين آمنوا وصدقوا فطال عليهم البلاء واستأخر النصر حتى إذا استيأس الرسل - عليهم السّلام - من إيمان من كذبهم من قومهم ، وظنت الرسل - عليهم السّلام - أن أتباعهم مكذّبوهم » اه . وهذا الكلام من عائشة - رضي اللّه عنها - رأي لها في التفسير وإنكارها أن تكون كُذِبُوا مخففة إنكار يستند بما يبدو من عود الضمائر إلى أقرب مذكور وهو الرسل ، وذلك ليس بمتعيّن ، ولم تكن عائشة قد بلغتها رواية كُذِبُوا بالتخفيف . وتفريع فننجي من نشاء على جاءَهُمْ نَصْرُنا لأن نصر الرسل - عليهم السّلام - هو تأييدهم بعقاب الذين كذبوهم بنزول العذاب وهو البأس ، فينجي اللّه الذين آمنوا ولا يردّ البأس عن القوم المجرمين .