الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

127

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

عطف على جملة وَما أَكْثَرُ النَّاسِ [ سورة يوسف : 103 ] إلخ . هاتان الآيتان متّصل معناهما بما تضمنه قوله تعالى : ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ [ سورة يوسف : 102 ] إلى قوله : إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ [ سورة يوسف : 104 ] وقوله : قُلْ هذِهِ سَبِيلِي الآية [ سورة يوسف : 108 ] ، فإن تلك الآي تضمنت الحجة على صدق الرسول - عليه الصلاة والسّلام - فيما جاءهم به ، وتضمنت أن الذين أشركوا غير مصدقينه عنادا وإعراضا عن آيات الصدق . فالمعنى أن إرسال الرسل - عليهم السّلام - سنّة إلهية قديمة فلما ذا يجعل المشركون نبوءتك أمرا مستحيلا فلا يصدّقون بها مع ما قارنها من آيات الصدق فيقولون : أَ بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا . وهل كان الرسل - عليهم السّلام - السابقون إلا رجالا من أهل القرى أوحى اللّه إليهم فبما ذا امتازوا عليك ، فسلم المشركون ببعثتهم وتحدّثوا بقصصهم وأنكروا نبوءتك . وراء هذا معنى آخر من التذكير باستواء أحوال الرسل - عليهم السّلام - وما لقوه من أقوامهم فهو وعيد باستواء العاقبة للفريقين . و مِنْ قَبْلِكَ يتعلق ب أَرْسَلْنا ف مِنْ لابتداء الأزمنة فصار ما صدق القبل الأزمنة السابقة ، أي من أول أزمنة الإرسال . ولولا وجود مِنْ لكان قَبْلِكَ في معنى الصفة للمرسلين المدلول عليهم بفعل الإرسال . والرجال : اسم جنس جامد لا مفهوم له . وأطلق هنا مرادا به أناسا كقوله - صلّى اللّه عليه وسلّم - « ورجل ذكر اللّه خاليا ففاضت عيناه » ، أي إنسان أو شخص ، فليس المراد الاحتراز عن المرأة . واختير هنا دون غيره لمطابقته الواقع فإن اللّه لم يرسل رسلا من النساء لحكمة قبول قيادتهم في نفوس الأقوام إذ المرأة مستضعفة عند الرجال دون العكس ؛ ألا ترى إلى قول قيس بن عاصم حين تنبأت سجاح : أضحت نبيئتنا أنثى نطيف بها * وأصبحت أنبياء الناس ذكرانا وليس تخصيص الرجال وأنهم من أهل القرى لقصد الاحتراز عن النساء ومن أهل البادية ولكنه لبيان المماثلة بين من سلّموا برسالتهم وبين محمد - صلّى اللّه عليه وسلّم - حين قالوا : فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ [ الأنبياء : 5 ] و قالُوا لَوْ لا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى [ القصص : 48 ] ، أي فما كان محمد - صلّى اللّه عليه وسلّم - بدعا من الرسل حتى تبادروا بإنكار رسالته وتعرضوا عن النظر في آياته . فالقصر إضافي ، أي لم يكن الرسل - عليهم السّلام - قبلك ملائكة أو ملوكا من