الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
126
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
بَصِيرَةٍ . و عَلى فيه للاستعلاء المجازي المراد به التمكن ، مثل « على هدى من ربهم » . والبصيرة : فعيلة بمعنى فاعلة ، وهي الحجة الواضحة ، والمعنى : أدعو إلى اللّه ببصيرة متمكنا منها ، ووصف الحجة ببصيرة مجاز عقلي ، والبصير : صاحب الحجة لأنه بها صار بصيرا بالحقيقة . ومثله وصف الآية بمبصرة في قوله : فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً [ سورة النمل : 13 ] . وبعكسه يوصف الخفاء بالعمى كقوله : وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ [ سورة هود : 28 ] . وضمير أَنَا تأكيد للضمير المستتر في أَدْعُوا ، أتي به لتحسين العطف بقوله : وَمَنِ اتَّبَعَنِي ، وهو تحسين واجب في اللغة . وفي الآية دلالة على أن أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين الذين آمنوا به مأمورون بأن يدعوا إلى الإيمان بما يستطيعون . وقد قاموا بذلك بوسائل بث القرآن وأركان الإسلام والجهاد في سبيل اللّه . وقد كانت الدعوة إلى الإسلام في صدر زمان البعثة المحمدية واجبا على الأعيان لقول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « بلّغوا عنّي ولو آية » أي بقدر الاستطاعة . ثم لمّا ظهر الإسلام وبلغت دعوته الأسماع صارت الدعوة إليه واجبا على الكفاية كما دل عليه قوله تعالى : وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ الآية في سورة آل عمران [ 104 ] . وعطفت جملة وَسُبْحانَ اللَّهِ على جملة أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ ، أي أدعو إلى اللّه وأنزهه . وسبحان : مصدر التسبيح جاء بدلا عن الفعل للمبالغة . والتقدير : وأسبح اللّه سبحانا ، أي أدعو الناس إلى توحيده وطاعته وأنزّهه عن النقائص التي يشرك بها المشركون من دعاء الشركاء ، والولد ، والصاحبة . وجملة وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ بمنزلة التذييل لما قبلها لأنها تعمّ ما تضمنته . [ 109 ، 110 ] [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 109 إلى 110 ] وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 109 ) حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ( 110 )