الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
344
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الْمُحْسِنِينَ [ هود : 115 ] بعدها . وأمّا الذين رجّحوا أنّ السورة كلّها مكيّة فقالوا : إنّ الآية نزلت في الأمر بإقامة الصّلوات وإن النبي صلى اللّه عليه وسلم أخبر بها الذي سأله عن القبلة الحرام وقد جاء تائبا ليعلمه بقوله : إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ، فيؤوّل قول الراوي : فأنزلت عليه ، أنّه أنزل عليه شمول عموم الحسنات والسيئات لقضيّة السائل ولجميع ما يماثلها من إصابة الذنوب غير الفواحش . ويؤيّد ذلك ما في رواية الترمذي عن علقمة والأسود عن ابن مسعود قوله : فتلا عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : وَأَقِمِ الصَّلاةَ ، ولم يقولا : فأنزل عليه . وقوله : ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ أي تذكرة للّذي شأنه أن يذكر ولم يكن شأنه الإعراض عن طلب الرشد والخير ، وهذا أفاد العموم نصّا . وقوله : ذلِكَ الإشارة إلى المذكور قبله من قوله : فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ [ هود : 112 ] . [ 115 ] [ سورة هود ( 11 ) : آية 115 ] وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ( 115 ) عطف على جملة فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ [ هود : 109 ] الآيات ، لأنّها سيقت مساق التّثبيت من جرّاء تأخير عقاب الذين كذبوا . ومناسبة وقوع الأمر بالصّبر عقب الأمر بالاستقامة والنّهي عن الركون إلى الذين ظلموا ، أنّ المأمورات لا تخلو عن مشقة عظيمة ومخالفة لهوى كثير من النفوس ، فناسب أن يكون الأمر بالصبر بعد ذلك ليكون الصبر على الجميع كلّ بما يناسبه . وتوجيه الخطاب إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم تنويه به . والمقصود هو وأمته بقرينة التعليل بقوله : فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ لما فيه من العموم والتفريع المقتضي جمعهما أنّ الصبر من حسنات المحسنين وإلا لما كان للتفريع موقع . وحرف التأكيد مجلوب للاهتمام بالخبر . وسمّي الثواب أجرا لوقوعه جزاء على الأعمال وموعودا به فأشبه الأجر . [ 116 ] [ سورة هود ( 11 ) : آية 116 ] فَلَوْ لا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وَكانُوا مُجْرِمِينَ ( 116 )