الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

345

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

هذا قوي الاتّصال بقوله تعالى : وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ [ هود : 102 ] فيجوز أن يكون تفريعا عليه ويكون ما بينهما اعتراضا دعا إليه الانتقال الاستطرادي في معان متماسكة . والمعنى فهلا كان في تلك الأمم أصحاب بقية من خير فنهوا قومهم عن الفساد لما حلّ بهم ما حلّ . وذلك إرشاد إلى وجوب النهي عن المنكر . ويجوز أن يكون تفريعا على قوله تعالى : فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ [ هود : 112 ] والآية تفريع على الأمر بالاستقامة والنهي عن الطغيان وعن الركون إلى الذين ظلموا ، إذ المعنى : ولا تكونوا كالأمم من قبلكم إذ عدموا من ينهاهم عن الفساد في الأرض وينهاهم عن تكذيب الرّسل فأسرفوا في غلوائهم حتى حلّ عليهم غضب اللّه إلّا قليلا منهم ، فإن تركتم ما أمرتم به كان حالكم كحالهم ، ولأجل هذا المعنى أتي بفاء التفريع لأنّه في موقع التفصيل والتعليل لجملة فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ [ هود : 112 ] وما عطف عليها ؛ كأنّه قيل : وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم فلولا كان منهم بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلى آخره ، أي فاحذروا أن تكونوا كما كانوا فيصيبكم ما أصابهم ، وكونوا مستقيمين ولا تطغوا ولا تركنوا إلى الظّالمين وأقيموا الصلاة ، فغيّر نظم الكلام إلى هذا الأسلوب الذي في الآية لتفنن فوائده ودقائقه واستقلال أغراضه مع كونها آئلة إلى غرض يعمّمها . وهذا من أبدع أساليب الإعجاز الذي هو كردّ العجز على الصدر من غير تكلّف ولا ظهور قصد . ويقرب من هذا المعنى قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم فإنّما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم » . و ( لولا ) حرف تحضيض بمعنى ( هلّا ) . وتحضيض الفائت لا يقصد منه إلّا تحذير غيره من أن يقع فيما وقعوا فيه والعبرة بما أصابهم . والقرون : الأمم . وتقدّم في أوّل الأنعام . والبقية : الفضل والخير . وأطلق على الفضل البقية كناية غلبت فسارت مسرى الأمثال لأنّ شأن الشيء النفيس أنّ صاحبه لا يفرط فيه . وبقيّة الناس : سادتهم وأهل الفضل منهم ، قال رويشد بن كثير الطائي : إنّ تذنبوا ثم تأتيني بقيّتكم * فما عليّ بذنب منكم فوت ومن أمثالهم « في الزوايا خبايا وفي الرجال بقايا » . فمن هنالك أطلقت على الفضل والخير في صفات الناس فيقال : في فلان بقية ، والمعنى هنا : أولو فضل ودين وعلم