الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
336
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الكتاب فيكون تحذيرا من الاختلاف ، أي أنّه إن وقع أمهل اللّه المختلفين فتركهم في شكّ . وليس من سنة اللّه أن يقضي بين المختلفين فيوقفهم على تمييز المحق من المبطل ، أي فعليكم بالحذر من الاختلاف في كتابكم فإنّكم إن اختلفتم بقيتم في شك ولحقكم جزاء أعمالكم . والكلمة هي إرادة اللّه الأزليّة وسنته في خلقه . وهي أنّه وكل النّاس إلى إرشاد الرسل للدّعوة إلى اللّه ، وإلى النّظر في الآيات ، ثم إلى بذل الاجتهاد التّام في إصابة الحق ، والسعي إلى الاتفاق ونبذ الخلاف بصرف الأفهام السديدة إلى المعاني ، وبالمراجعة فيما بينهم ، والتبصّر في الحق ، والإنصاف في الجدل والاستدلال ، وأن يجعلوا الحق غايتهم والاجتهاد دأبهم وهجّيراهم . وحكمة ذلك هي أنّ الفصل والاهتداء إلى الحقّ مصلحة للنّاس ومنفعة لهم لا للّه . وتمام المصلحة في ذلك يحصل بأن يبذلوا اجتهادهم ويستعملوا أنظارهم لأنّ ذلك وسيلة إلى زيادة تعقلهم وتفكيرهم . وقد تقدّم في قوله تعالى : وتمت كلمات رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا في سورة الأنعام [ 115 ] وقوله : وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ في سورة الأنفال [ 7 ] . ووصفها بالسبق لأنّها أزلية ، باعتبار تعلق العلم بوقوعها ، وبأنّها ترجع إلى سنة كلية تقررت من قبل . ومعنى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ أنّه قضاء استئصال المبطل واستبقاء المحق ، كما قضى اللّه بين الرسل والمكذبين ، ولكن إرادة اللّه اقتضت خلاف ذلك بالنسبة إلى فهم الأمة كتابها . وضمير بَيْنَهُمْ يعود إلى المختلفين المفاد من قوله : فَاخْتُلِفَ فِيهِ والقرينة واضحة . ومتعلق القضاء محذوف لظهوره ، أي لقضي بينهم فيما اختلفوا فيه كما قال في الآية الأخرى إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [ السجدة : 25 ] . وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ . يجوز أن يكون عطفا على جملة وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ [ هود : 109 ] فيكون ضمير وَإِنَّهُمْ عائدا إلى ما عاد إليه ضمير ما يَعْبُدُونَ [ هود : 109 ] الآية ، أي أنّ المشركين لفي شك من توفية نصيبهم لأنّهم لا يؤمنون بالبعث . ويلتئم مع قوله : وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ على أوّل الوجهين وأولاهما ، فضمير مِنْهُ عائد إلى