الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

327

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

شاهدوا آثاره ، فذلك موعظة لهم لو كانوا مهتدين . وجملة وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ علاوة وارتقاء على عدم نفعهم عند الحاجة بأنّهم لم يكن شأنهم عدم الإغناء عنهم فحسب ولكنهم زادتهم تتبيبا وخسرانا ، أي زادتهم أسباب الخسران . والتتبيب : مصدر تبّبه إذا أوقعه في التباب وهو الخسارة . وظاهر هذا أن أصنامهم زادتهم تتبيبا لمّا جاء أمر اللّه ، لأنّه عطف على الفعل المقيّد ب لَمَّا التوقيتية المفيدة أنّ ذلك كان في وقت مجيء أمر اللّه وهو حلول العذاب بهم . ووجه زيادتهم إياهم تتبيبا حينئذ أنّ تصميمهم على الطمع في إنقاذهم إيّاهم من المصائب حالت دونهم ودون التوبة عند سماع الوعيد بالعذاب . ويجوز أن يكون العطف لمجرّد المشاركة في الصفة دون قيدها ، أي زادوهم تتبيبا قبل مجيء أمر اللّه بأن زادهم اعتقادهم فيها انصرافا عن النظر في آيات الرّسل وزادهم تأميلهم الأصنام ، وقد كانت خرافات الأصنام ومناقبها الباطلة مغرية لهم بارتكاب الفواحش والضلال وانحطاط الأخلاق وفساد التّفكير جرأة على رسل اللّه حتى حقّ عليهم غضب اللّه المستوجب حلول عذابه بهم . [ 102 ] [ سورة هود ( 11 ) : آية 102 ] وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ( 102 ) الإشارة إلى المذكورة من استئصال تلك القرى . وهو ما يدل عليه قوله : أَخْذُ رَبِّكَ . والتقدير : وكذلك الأخذ الذي أخذنا به تلك القرى أخذ ربك إذا أخذ القرى . والتشبيه في الكيفيّة والعاقبة . والمقصود من هذا التّذييل تعريض بتهديد مشركي العرب من أهل مكّة وغيرها . والظلم : الشرك . وجملة إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ في موضع البيان لمضمون وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ . وفيه إشارة إلى وجه الشّبه . [ 103 ، 104 ] [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 103 إلى 104 ] إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ ( 103 ) وَما نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ ( 104 )