الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

328

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

بيان للتعريض وتصريح بعد تلويح . والمعنى : وكذلك أخذ ربك فاحذروه وحذروا ما هو أشدّ منه وهو عذاب الآخرة . والإشارة إلى الأخذ المتقدّم . وفي هذا تخلّص إلى موعظة المسلمين والتّعريض بمدحهم بأن مثلهم من ينتفع بالآيات ويعتبر بالعبر كقوله : وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ [ العنكبوت : 43 ] . وجعل عذاب الدنيا آية دالة على عذاب الآخرة لأنّ القرى الظالمة توعّدها اللّه بعذاب الدنيا وعذاب الآخرة كما في قوله تعالى : وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذاباً دُونَ ذلِكَ [ الطور : 47 ] فلمّا عاينوا عذاب الدّنيا كان تحققه أمارة على تحقق العذاب الآخر . وجملة ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ معترضة للتنويه بشأن هذا اليوم حتّى أنّ المتكلّم يبتدئ كلاما لأجل وصفه . والإشارة ب ذلِكَ إلى الآخرة لأنّ ما صدقها يوم القيامة ، فتذكير اسم الإشارة مراعاة لمعنى الآخرة . واللّام في مَجْمُوعٌ لَهُ لام العلّة ، أي مجموع الناس لأجله . ومجيء الخبر جملة اسمية في الإخبار عن اليوم يدلّ على معنى الثّبات ، أي ثابت جمع اللّه الناس لأجل ذلك اليوم ، فيدلّ على تمكن تعلق الجمع بالنّاس وتمكّن كون ذلك الجمع لأجل اليوم حتّى لقّب ذلك اليوم يوم الجمع في قوله تعالى : يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ [ التغابن : 9 ] . وعطف جملة وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ على جملة ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ لزيادة التّهويل لليوم بأنّه يشهد . وطوي ذكر الفاعل إذ المراد يشهده الشّاهدون ، إذ ليس القصد إلى شاهدين معيّنين . والإخبار عنه بهذا يؤذن بأنّهم يشهدونه شهودا خاصا وهو شهود الشيء المهول ، إذ من المعلوم أن لا يقصد الإخبار عنه بمجرّد كونه مرئيا لكن المراد كونه مرئيا رؤية خاصة . ويجوز أن يكون المشهود بمعنى المحقّق أيّ مشهود بوقوعه ، كما يقال : حقّ مشهود ، أي عليه شهود لا يستطاع إنكاره ، واضح للعيان . ويجوز أن يكون المشهود بمعنى كثير الشّاهدين إياه لشهرته ، كقولهم : لفلان مجلس مشهود ، كقول أم قيس الضبّيّة :