الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
31
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والمعنى : ولو يعجل اللّه للناس الشر كما يجعل لهم الخير كثيرا ، فقوله : اسْتِعْجالَهُمْ مصدر مضاف إلى مفعوله لا إلى فاعله ، وفاعل الاستعجال هو اللّه تعالى كما دل عليه قوله : وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ . والباء في قوله : بِالْخَيْرِ لتأكيد اللصوق ، كالتي في قوله تعالى : وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ [ المائدة : 6 ] . وأصله : استعجالهم الخير ، فدلّت المبالغة بالسين والتاء وتأكيد اللصوق على الامتنان بأن الخير لهم كثير ومكين . وقد كثر اقتران مفعول فعل الاستعجال بهذه الباء ولم ينبهوا عليه في مواقعه المتعددة . وسيجيء في النحل . وقد جعل جواب ( لو ) قوله : لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ ، وشأن جواب ( لو ) أن يكون في حيز الامتناع ، أي وذلك ممتنع لأن اللّه قدّر لآجال انقراضهم ميقاتا معيّنا ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ [ الحجر : 5 ] . والقضاء : التقدير . والأجل : المدة المعينة لبقاء قوم . والمعنى : لقضي إليهم حلول أجلهم . ولما ضمن ( قضي ) معنى بلغ ووصل عدي ب ( إلى ) . فهذا وجه تفسير الآية وسر نظمها ، ولا يلتفت إلى غيره في فهمها . وهذا المعنى مثل معنى قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ في سورة الأنعام [ 58 ] . وجملة : فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا إلخ مفرعة على جملة وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ إلى آخرها . وقرأ الجمهور لَقُضِيَ بالبناء للنائب ورفع أَجَلُهُمْ على أنه نائب الفاعل . وقرأه ابن عامر ويعقوب بفتح القاف والضاد ونصب أَجَلُهُمْ على أن في ( قضي ) ضميرا عائدا إلى اسم الجلالة في قوله : وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ إلخ . وجملة : فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا مفرعة على جملة ( لو ) وجوابها المفيدة انتفاء أن يجعل اللّه للناس الشر بانتفاء لازمه وهو بلوغ أجلهم إليهم ، أي فإذا انتفى التعجيل فنحن نذر الذين لا يرجون لقاءنا يعمهون ، أي نتركهم في مدة تأخير العذاب عنهم متلبسين بطغيانهم ، أي فرط تكبرهم وتعاظمهم . والعمة : عدم البصر . وإنما لم ينصب الفعل بعد الفاء لأن النصب يكون في جواب النفي المحض ، وأما النفي المستفاد من ( لو ) فحاصل بالتضمن ، ولأن شأن جواب النفي