الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

32

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

أن يكون مسببا على المنفي لا على النفي ، والتفريع هنا على مستفاد من النفي . وأما المنفي فهو تعجيل الشر فهو لا يسبب أن يترك الكافرين يعمهون ، وبذلك تعرف أن قوله : فَنَذَرُ ليس معطوفا على كلام مقدر وإنما التقدير تقدير معنى لا تقدير إعراب ، أي فنترك المنكرين للبعث في ضلالهم استدراجا لهم . وقوله : فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ تقدم نظيره في قوله : وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ في سورة البقرة [ 15 ] . والطغيان : الكفر . والإتيان بالموصولية في تعريف الكافرين للدلالة على أن الطغيان أشده إنكارهم البعث ، ولأنه صار كالعلامة عليهم كما تقدم آنفا . [ 12 ] [ سورة يونس ( 10 ) : آية 12 ] وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 12 ) عطف على جملة وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ [ يونس : 11 ] الآية ، لأن الغرض الأهم من كلتيهما هو الاعتبار بذميم أحوال المشركين تفظيعا لحالهم وتحذيرا من الوقوع في أمثالها بقرينة تنهية هذه الآية بجملة كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ . فلما بين في الآية السابقة وجه تأخير عذاب الاستئصال عنهم وإرجاء جزائهم إلى الآخرة بين في هذه الآية حالهم عندما يمسهم شيء من الضر وعندما يكشف الضر عنهم . فالإنسان مراد به الجنس ، والتعريف باللام يفيد الاستغراق العرفي ، أي الإنسان الكافر ، لأن جمهور الناس حينئذ كافرون ، إذ كان المسلمون قبل الهجرة لا يعدون بضعة وسبعين رجلا مع نسائهم وأبنائهم الذين هم تبع لهم . وبهذا الاعتبار يكون المنظور إليهم في هذا الحكم هم الكافرون ، كما في قوله تعالى : وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَ إِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا [ مريم : 66 ] - وقوله : يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ [ الانفطار : 6 ، 7 ] . ويأخذ المسلمون من هذا الحكم ما يناسب مقدار ما في آحادهم من بقايا هذه الحال الجاهلية فيفيق كلّ من غفلته . وعدل عن الإتيان بالضمير الراجع إلى ( الناس ) من قوله : وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ [ يونس : 11 ] لأن في ذكر لفظ الإنسان إيماء إلى التذكير بنعمة اللّه عليهم إذ جعلهم ، من أشرف الأنواع الموجودة على الأرض . ومن المفسرين من جعل اللام في الإنسان للعهد وجعل المراد به أبا حذيفة بن المغيرة المخزومي ، واسمه مهشّم ، وكان مشركا ،