الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

308

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وإنما اقتصر على ذكر جعل العالي سافلا لأنه أدخل في الإهانة . والسجّيل : فسّر بواد نار في جهنّم يقال : سجّيل باللّام ، وسجّين بالنون . و مِنْ تبعيضية ، وهو تشبيه بليغ ، أي بحجارة كأنّها من سجيل جهنم ، كقول كعب بن زهير : وجلدها من أطوم البيت وقد جاء في التّوراة : أن اللّه أرسل عليهم كبريتا ونارا من السماء . ولعلّ الخسف فجّر من الأرض براكين قذفت عليهم حجارة معادن محرقة كالكبريت ، أو لعلّ بركانا كان قريبا من مدنهم انفجر باضطرابات أرضية ثم زال من ذلك المكان بحوادث تعاقبت في القرون ، أو طمى عليه البحر وبقي أثر البحر عليها حتّى الآن ، وهو المسمّى بحيرة لوط أو البحر الميت . وقيل : سجّيل معرب ( سنك جيل ) عن الفارسية أي حجر مخلوط بطين . والمنضود : الموضوع بعضه على بعض . والمعنى هنا أنها متتابعة متتالية في النزول ليس بينها فترة . والمراد وصف الحجارة بذلك إلا أن الحجارة لمّا جعلت من سجّيل ، أجري الوصف على سجّيل وهو يفضي إلى وصف الحجارة لأنّها منه . والمسوّمة : التي لها سيما ، وهي العلامة . والعلامات توضع لأغراض ، منها عدم الاشتباه ، ومنها سهولة الإحضار ، وهو هنا مكنّى به عن المعدّة المهيّئة لأن الإعداد من لوازم التوسيم بقرينة قوله : عِنْدَ رَبِّكَ لأن تسويمها عند اللّه هو تقديره إياها لهم . وضمير وَما هِيَ يصلح لأن يعود إلى ما عادت إليه الضمائر المجرورة قبله وهي المدينة ، فيكون المعنى وما تلك القرية ببعيد من المشركين ، أي العرب ، فمن شاء فليذهب إليها فينظر مصيرها ، فالمراد البعد المكانيّ . ويصلح لأن يعود إلى الحجارة ، أي وما تلك الحجارة ببعيد ، أي أنّ اللّه قادر على أن يرمي المشركين بمثلها . والبعد بمعنى تعذّر الحصول ونفيه بإمكان حصوله . وهذا من الكلام الموجّه مع صحة المعنيين وهو بعيد . وجرّد بعيد عن تاء التأنيث مع كونه خبرا عن الحجارة وهي مؤنث لفظا ، ومع كون بعيد هنا بمعنى فاعل لا بمعنى مفعول ، فالشأن أن يطابق موصوفه في تأنيثه ، ولكن العرب قد يجرون فعيلا الذي بمعنى فاعل مجرى الذي بمعنى مفعول إذا جرى على مؤنث غير حقيقي التأنيث زيادة في التخفيف ، كقوله تعالى في سورة الأعراف [ 56 ] إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ وقوله : وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً [ الأحزاب :