الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

295

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ذلك في عادة النّاس في ذلك الزّمان إذا كان النّازل بالبيت يضمر شرّا لمضيّفه ، لأنّ أكل طعام القرى كالعهد على السّلامة من الأذى ، لأنّ الجزاء على الإحسان بالإحسان مركوز في الفطرة ، فإذا انكفّ أحد عن تناول الإحسان فذلك لأنّه لا يريد المسالمة ولا يرضى أن يكون كفورا للإحسان . ولذلك عقب قوله نَكِرَهُمْ ب أَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ، أي أحسّ في نفسه خيفة منهم وأضمر ذلك . ومصدره الإيجاس . وذلك أنّه خشي أن يكونوا مضمرين شرّا له ، أي حسبهم قطّاعا ، وكانوا ثلاثة وكان إبراهيم - عليه السّلام - وحده . وجملة قالُوا لا تَخَفْ مفصولة عمّا قبلها ، لأنّها أشبهت الجواب ، لأنّه لمّا أوجس منهم خيفة ظهر أثرها على ملامحه ، فكان ظهور أثرها بمنزلة قوله إنّي خفت منكم ، ولذلك أجابوا ما في نفسه بقولهم : لا تَخَفْ ، فحكي ذلك عنهم بالطّريقة الّتي تحكى بها المحاورات ، أو هو جواب كلام مقدّر دلّ عليه قوله : وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ، أي وقال لهم : إنّي خفت منكم ، كما حكي في سورة الحجر [ 52 ] قالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ . ومن شأن النّاس إذا امتنع أحد من قبول طعامهم أن يقولوا له : لعلّك غادر أو عدوّ ، وقد كانوا يقولون للوافد : أحرب أم سلم . وقولهم : إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ مكاشفة منهم إيّاه بأنّهم ملائكة . والجملة استئناف مبينة لسبب مجيئهم . والحكمة من ذلك كرامة إبراهيم - عليه السّلام - وصدورهم عن علم منه . وحذف متعلّق أُرْسِلْنا أي بأي شيء ، إيجازا لظهوره من هذه القصّة وغيرها . وعبّر عن الأقوام المراد عذابهم بطريق الإضافة قَوْمِ لُوطٍ إذ لم يكن لأولئك الأقوام اسم يجمعهم ولا يرجعون إلى نسب بل كانوا خليطا من فصائل عرفوا بأسماء قراهم ، وأشهرها سدوم كما تقدّم في الأعراف . وجملة وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ في موضع الحال من ضمير أَوْجَسَ ، لأنّ امرأة إبراهيم - عليه السّلام - كانت حاضرة تقدّم الطّعام إليهم ، فإن عادتهم كعادة العرب من بعدهم أنّ ربة المنزل تكون خادمة القوم . وفي الحديث « والعروس خادمهم » . وقال مرّة بن محكان التميمي : يا ربّة البيت قومي غير صاغرة * ضمّي إليك رجال القوم والغربا