الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

296

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وقد اختصرت القصة هنا اختصارا بديعا لوقوعها في خلال الحوار بين الرسل وإبراهيم - عليه السّلام - ، وحكاية ذلك الحوار اقتضت إتمامه بحكاية قولهم : لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ . وأمّا البشرى فقد حصلت قبل أن يخبروه بأنّهم أرسلوا إلى قوم لوط كما في آية سورة الذاريات [ 28 ] فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ . فلمّا اقتضى ترتيب المحاورة تقديم جملة قالُوا لا تَخَفْ حكيت قصة البشرى وما تبعها من المحاورة بطريقة الحال ، لأنّ الحال تصلح للقبليّة وللمقارنة وللبعدية ، وهي الحال المقدّرة . وإنّما ضحكت امرأة إبراهيم - عليه السّلام - من تبشير الملائكة إبراهيم - عليه السّلام - بغلام ، وكان ضحكها ضحك تعجّب واستبعاد . وقد وقع في التّوراة في الإصلاح الثامن عشر من سفر التكوين « وقالوا له : أين سارة امرأتك ؟ فقال : ها هي في الخيمة . فقالوا : يكون لسارة امرأتك ابن ، وكانت سارة سامعة في باب الخيمة فضحكت سارة في باطنها قائلة : أفبالحقيقة ألد وأنا قد شخت ؟ فقال الربّ : لما ذا ضحكت سارة ؟ فأنكرت سارة قائلة لم أضحك ، لأنّها خافت ، قال : لا بل ضحكت » . وتفريع فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ على جملة فَضَحِكَتْ باعتبار المعطوف وهو وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ لأنّها ما ضحكت إلّا بعد أن بشّرها الملائكة بابن ، فلمّا تعجبت من ذلك بشّروها بابن الابن زيادة في البشرى . والتّعجيب بأن يولد لها ابن ويعيش وتعيش هي حتّى يولد لابنها ابن . وذلك أدخل في العجب لأن شأن أبناء الشيوخ أن يكونوا مهزولين لا يعيشون غالبا إلّا معلولين ، ولا يولد لهم في الأكثر ولأن شأن الشيوخ الذين يولد لهم أن لا يدركوا يفع أولادهم بله أولاد أولادهم . ولما بشّروها بذلك صرحت بتعجبها الذي كتمته بالضحك ، فقالت : يا وَيْلَتى أَ أَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ ، فجملة قالَتْ جواب للبشارة . و ( يعقوب ) مبتدأ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ خبر ، والجملة على هذا في محلّ الحال . وهذه قراءة الجمهور . وقرأ ابن عامر ، وحمزة ، وحفص يَعْقُوبَ بفتحة وهو حينئذ عطف على إِسْحاقَ . وفصل بين حرف العطف والمعطوف بالظرف وخطبه سهل وإن استعظمه ظاهرية النحاة كأبي حيان بقياس حرف العطف النائب هنا مناب الجار على الجار نفسه ، وهو قياس ضعيف إذ كون لفظ بمعنى لفظ لا يقتضي إعطاءه جميع أحكامه كما في « مغني اللبيب » .