الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

287

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وجملة أَلا بُعْداً لِعادٍ ابتدائية لإنشاء ذمّ لهم . وتقدّم الكلام على بُعْداً عند قوله في قصّة نوح - عليه السّلام - وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [ هود : 44 ] . و قَوْمِ هُودٍ بيان ل ( عاد ) أو وصف ل ( عاد ) باعتبار ما في لفظ قَوْمِ من معنى الوصفية . وفائدة ذكره الإيماء إلى أنّ له أثرا في الذمّ بإعراضهم عن طاعة رسولهم ، فيكون تعريضا بالمشركين من العرب ، وليس ذكره للاحتراز عن عاد أخرى وهم إرم كما جوّزه صاحب « الكشاف » لأنّه لا يعرف في العرب عاد غير قوم هود وهم إرم ، قال تعالى : أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ [ الفجر : 6 ، 7 ] . [ 61 ] [ سورة هود ( 11 ) : آية 61 ] وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ ( 61 ) قوله تعالى : وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً - إلى قوله - غَيْرُهُ الكلام فيه كالذي في قوله : وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً [ هود : 50 ] إلخ . وذكر ثمود وصالح - عليه السّلام - تقدّم في سورة الأعراف . وثمود : اسم جدّ سميت به القبيلة ، فلذلك منع من الصرف بتأويل القبيلة . وجملة هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ في موضع التّعليل للأمر بعبادة اللّه ونفي إلهية غيره ، وكأنهم كانوا مثل مشركي قريش لا يدّعون لأصنامهم خلقا ولا رزقا ، فلذلك كانت الحجّة عليهم ناهضة واضحة . والإنشاء : الإيجاد والإحداث ، وتقدّم في قوله تعالى : وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ في الأنعام [ 6 ] . وجعل الخبرين عن الضمير فعلين دون : هو منشئكم ومستعمركم لإفادة القصر ، أي لم ينشئكم من الأرض إلّا هو ، ولم يستعمركم فيها غيره . والإنشاء من الأرض خلق آدم من الأرض لأنّ إنشاءه إنشاء لنسله ، وإنّما ذكر تعلّق خلقهم بالأرض لأنّهم كانوا أهل غرس وزرع ، كما قال في سورة الشعراء [ 146 - 148 ] أَ تُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا آمِنِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ ولأنّهم كانوا ينحتون من جبال الأرض بيوتا ويبنون في الأرض قصورا ، كما قال في الآية الأخرى : وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً [ الأعراف : 74 ] ،