الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

288

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

فكانت لهم منافع من الأرض تناسب نعمة إنشائهم من الأرض فلأجل منافعهم في الأرض قيّدت نعمة الخلق بأنّها من الأرض التي أنشئوا منها ، ولذلك عطف عليه وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها . والاستعمار : الإعمار ، أي جعلكم عامرينها ، فالسّين والتاء للمبالغة كالتي في استبقى واستفاق . ومعنى الإعمار أنهم جعلوا الأرض عامرة بالبناء والغرس والزرع لأنّ ذلك يعدّ تعميرا للأرض حتى سمي الحرث عمارة لأنّ المقصود منه عمر الأرض . وفرع على التذكير بهذه النعم أمرهم باستغفاره والتّوبة إليه ، أي طلب مغفرة أجرامهم ، والإقلاع عمّا لا يرضاه من الشرك والفساد . ومن تفنّن الأسلوب أن جعلت هذه النعم علّة لأمرهم بعبادة اللّه وحده بطريق جملة التّعليل ، وجعلت علّة أيضا للأمر بالاستغفار والتّوبة بطريق التّفريع . وعطف الأمر بالتّوبة بحرف التّراخي للوجه المتقدّم في قوله : وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ [ هود : 51 ] في الآية المتقدمة . وجملة إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ استئناف بيانيّ كأنهم استعظموا أن يكون جرمهم ممّا يقبل الاستغفار عنه ، فأجيبوا بأنّ اللّه قريب مجيب ، وبذلك ظهر أنّ الجملة ليست بتعليل . وحرف إِنَّ فيها للتّأكيد تنزيلا لهم في تعظيم جرمهم منزلة من يشكّ في قبول استغفاره . والقرب : هنا مستعار للرأفة والإكرام ، لأنّ البعد يستعار للجفاء والإعراض . قال جبير بن الأضبط : تباعد عنّي مطحل إذ دعوته * أمين فزاد اللّه ما بيننا بعدا فكذلك يستعار ضدّه لضدّه ، وتقدّم في قوله : فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ في سورة البقرة [ 186 ] . والمجيب هنا : مجيب الدّعاء ، وهو الاستغفار . وإجابة الدّعاء : إعطاء السائل مسئوله . [ 62 ] [ سورة هود ( 11 ) : آية 62 ] قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا أَ تَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ ( 62 ) هذا جوابهم عن دعوته البليغة الوجيزة الملأى إرشادا وهديا . وهو جواب ملئ بالضلال والمكابرة وضعف الحجة .