الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

276

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وجملة مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ - و نُوحِيها - و ما كُنْتَ تَعْلَمُها أخبار عن اسم الإشارة ، أو بعضها خبر وبعضها حال . وضمير أَنْتَ تصريح بالضمير المستتر في قوله : تَعْلَمُها لتصحيح العطف عليه . وعطف وَلا قَوْمُكَ من الترقي ، لأن في قومه من خالط أهل الكتاب ومن كان يقرأ ويكتب ولا يعلم أحد منهم كثيرا مما أوحي إليه من هذه القصة . والإشارة بقوله : مِنْ قَبْلِ هذا إما إلى القرآن ، وإما إلى الوقت باعتبار ما في هذه القصة من الزيادة على ما ذكر في أمثالها مما تقدم نزوله عليها ، وإما إلى تِلْكَ بتأويل النبأ ، فيكون التذكير بعد التأنيث شبيها بالالتفات . ووجه تفريع أمر الرسول بالصبر على هذه القصة أن فيها قياس حاله مع قومه على حال نوح - عليه السّلام - مع قومه ، فكما صبر نوح - عليه السّلام - فكانت العاقبة له كذلك تكون العاقبة لك على قومك . وخبر نوح - عليه السّلام - مستفاد مما حكي من مقاومة قومه ومن ثباته على دعوتهم ، لأن ذلك الثبات مع تلك المقاومة من مسمى الصبر . وجملة إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ علة للصبر المأمور به ، أي اصبر لأن داعي الصبر قائم وهو أن العاقبة الحسنة تكون للمتقين ، فستكون لك وللمؤمنين معك . والعاقبة : الحالة التي تعقب حالة أخرى . وقد شاعت عند الإطلاق في حالة الخير كقوله : وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى [ طه : 132 ] . والتعريف في الْعاقِبَةُ للجنس . واللام في لِلْمُتَّقِينَ للاختصاص والملك ، فيقتضي ملك المتقين لجنس العاقبة الحسنة ، فهي ثابتة لهم لا تفوتهم وهي منتفية عن أضدادهم . [ 50 - 52 ] [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 50 إلى 52 ] وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ ( 50 ) يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 51 ) وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ ( 52 ) عطف على وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ [ هود : 25 ] ، فعطف وَإِلى عادٍ على إِلى قَوْمِهِ [ هود : 25 ] ، وعطف أَخاهُمْ على نُوحاً [ هود : 25 ] ، والتقدير : وأرسلنا إلى