الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

270

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

طلب منه ركوب السفينة وأبى ، وأنّ من سبق علم اللّه بأنه لا يركب السفينة من الناس فهو ظالم ، أي كافر ، وأنه مغرق ، فكان عدم ركوبه السفينة وغرقه أمارة أنه كافر . فالمعنى : أن نوحا - عليه السّلام - لا يجهل أنّ ابنه كافر ، ولذلك فسؤال المغفرة له عن علم بأنه كافر ، ولكنّه يطمع لعل اللّه أن يعفو عنه لأجل قرابته به ، فسؤاله له المغفرة بمنزلة الشفاعة له عند اللّه تعالى ، وذلك أخذ بأقصى دواعي الشفقة والرحمة بابنه . وقرينة ذلك كله قوله : وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ المفيد أنه لا رادّ لما حكم به وقضاه ، وأنه لا دالة عليه لأحد من خلقه ، ولكنه مقام تضرّع وسؤال ما ليس بمحال . وقد كان نوح - عليه السّلام - غير منهيّ عن ذلك ، ولم يكن تقرر في شرعه العلم بعدم المغفرة للكافرين ، فكان حال نوح - عليه السّلام - كحال النبي صلى اللّه عليه وسلم حين قال لأبي طالب « لأستغفرنّ لك ما لم أنه عنك » قبل أن ينزل قوله تعالى : ما كان للنبي وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ [ التوبة : 113 ] الآية . والاقتصار على هذه الجمل الثلاث في مقام الدعاء تعريض بالمطلوب لأنه لم يذكره ، وذلك ضرب من ضروب التأدب والتردد في الإقدام على المسؤول استغناء بعلم المسؤول كأنّه يقول : أسألك أم أترك ، كقول أميّة بن أبي الصلت : أأذكر حاجتي أم قد كفاني * حياؤك أن شيمتك الحياء ومعنى أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ أشدهم حكما . واسم التفضيل يتعلق بماهية الفعل ، فيفيد أن حكمه لا يجوز وأنّه لا يبطله أحد . ومعنى قوله تعالى : إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ نفي أن يكون من أهل دينه واعتقاده ، فليس ذلك إبطالا لقول نوح - عليه السّلام - : إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي ولكنّه إعلام بأنّ قرابة الدين بالنسبة لأهل الإيمان هي القرابة ، وهذا المعنى شائع في الاستعمال . قال النابغة يخاطب عيينة بن حصن : إذا حاولت في أسد فجورا * فإني لست منك ولست منّي وقال تعالى : وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ [ التوبة : 56 ] . وتأكيد الخبر لتحقيقه لغرابته .