الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
271
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وجملة إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ تعليل لمضمون جملة إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ف ( إنّ ) فيه لمجرد الاهتمام . و عَمَلٌ في قراءة الجمهور - بفتح الميم وتنوين اللام - مصدر أخبر به للمبالغة وبرفع غَيْرُ على أنه صفة ( عمل ) . وقرأه الكسائي ، ويعقوب عَمَلٌ - بكسر الميم - بصيغة الماضي وبنصب غَيْرُ على المفعولية لفعل ( عمل ) . ومعنى العمل غير الصالح الكفر ، وأطلق على الكفر ( عمل ) لأنه عمل القلب ، ولأنّه يظهر أثره في عمل صاحبه كامتناع ابن نوح من الركوب الدال على تكذيبه بوعيد الطوفان . وتفرع على ذلك نهيه أن يسأل ما ليس له به علم نهي عتاب ، لأنّه لما قيل له إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ بسبب تعليله بأنه عمل غير صالح ، سقط ما مهد به لإجابة سؤاله ، فكان حقيقا بأن لا يسأله وأن يتدبّر ما أراد أن يسأله من اللّه . وقرأه نافع ، وابن عامر ، وأبو جعفر « فلا تسألنّي » - بتشديد النون - وهي نون التوكيد الخفيفة ونون الوقاية أدغمتا . وأثبت ياء المتكلم من عدا ابن كثير من هؤلاء . أما ابن كثير فقرأ « فلا تسألنّ » - بنون مشدة مفتوحة - . وقرأه أبو عمرو ، وعاصم ، وحمزة ، والكسائي ، ويعقوب ، وخلف « فلا تسألن » - بسكون اللام وكسر النون مخففة - على أنّه غير مؤكد بنون التوكيد ومعدى إلى ياء المتكلم . وأكثرهم حذف الياء في حالة الوصل ، وأثبتها في الوصل ورش عن نافع وأبو عمرو . ثم إن كان نوح - عليه السّلام - لم يسبق له وحي من اللّه بأن اللّه لا يغفر للمشركين في الآخرة كان نهيه عن أن يسأل ما ليس له به علم ، نهي تنزيه لأمثاله لأن درجة النبوءة تقتضي أن لا يقدم على سؤال ربه سؤلا لا يعلم إجابته . وهذا كقوله تعالى : وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [ سبأ : 23 ] وقوله : لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً [ النبأ : 38 ] ، وإن كان قد أوحي إليه بذلك من قبل ، كما دل عليه قوله : وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ ، وكان سؤاله المغفرة لابنه طلبا تخصيصه من العموم . وكان نهيه نهي لوم وعتاب حيث لم يتبيّن من ربه جواز ذلك . وكان قوله : ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ محتملا لظاهره ، ومحتملا لأن يكون كناية عن العلم بضده ، أي فلا تسألني ما علمت أنه لا يقع .