الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
269
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
يسألها من اللّه فتعيّن أنّه سأل له المغفرة ، ويدلّ لذلك قوله تعالى : فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ كما سيأتي . ويجوز أن يكون دعاء نوح - عليه السّلام - هذا وقع قبل غرق النّاس ، أي نادى ربّه أن ينجي ابنه من الغرق . ويجوز أن يكون بعد غرق من غرقوا ، أي نادى ربّه أن يغفر لابنه وأن لا يعامله معاملة الكافرين في الآخرة . والنّداء هنا نداء دعاء فكأنّه قيل : ودعا نوح ربّه ، لأنّ الدعاء يصدّر بالنّداء غالبا ، والتّعبير عن الجلالة بوصف الربّ مضافا إلى نوح - عليه السّلام - تشريف لنوح وإيماء إلى رأفة اللّه به وأن نهيه الوارد بعده نهي عتاب . وجملة فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي بيان للنّداء ، ومقتضى الظّاهر أن لا تعطف بفاء التفريع كما لم يعطف البيان في قوله تعالى : إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي [ مريم : 3 ، 4 ] ، وخولف ذلك هنا . ووجّه في « الكشاف » اقترانه بالفاء بأنّ فعل نادى مستعمل في إرادة النداء ، أي مثل فعل ( قمتم ) في قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [ المائدة : 6 ] الآية ، يريد أن ذلك إخراج للكلام على خلاف مقتضى الظاهر فإنّ وجود الفاء في الجملة التي هي بيان للنداء قرينة على أن فعل نادى مستعار لمعنى إرادة النداء ، أي أراد نداء ربه فأعقب إرادته بإصدار النداء ، وهذا إشارة إلى أنه أراد النداء فتردّد في الإقدام عليه لما علم من قوله تعالى : إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ [ هود : 40 ] فلم يطل تردّده لمّا غلبته الشفقة على ابنه فأقدم على نداء ، ربه ، ولذلك قدم الاعتذار بقوله : إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي . فقوله : إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي خبر مستعمل في الاعتذار والتمهيد لأنّه يريد أن يسأل سؤالا لا يدري قبوله ولكنّه اقتحمه لأن المسؤول له من أهله فله عذر الشفقة عليه . وتأكيد الخبر ب إِنَّ للاهتمام به . وكذلك جملة وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ خبر مستعمل في لازم الفائدة . وهو أنّه يعلم أن وعد اللّه حق . والمراد بالوعد ما في قوله تعالى : إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ [ المؤمنون : 37 ] إذ أفاد ذلك أن بعض أهله قد سبق من اللّه تقدير بأنّه لا يركب السفينة . وهذا الموصول متعيّن لكونه صادقا على ابنه إذ ليس غيره من أهله