الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

268

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

فظاعة سوء اختيارهم في تكذيب الرسل . وأمّا من حيث النظر إلى ترتيب الجمل ، فذلك أنه قد قدّم النداء على الأمر ، فقيل : يا أَرْضُ ابْلَعِي وَيا سَماءُ أَقْلِعِي دون أن يقال : ابلعي يا أرض وأقلعي يا سماء ، جريا على مقتضى اللازم فيمن كان مأمورا حقيقة من تقديم التنبيه ليتمكّن الأمر الوارد عقيبه في نفس المنادى قصدا بذلك لمعنى الترشيح . ثم قدّم أمر الأرض على أمر السماء وابتدئ به لابتداء الطوفان منها ، ونزولها لذلك في القصة منزلة الأصل ، والأصل بالتقديم أولى ، ثم أتبعها قوله : وَغِيضَ الْماءُ لاتّصاله بغيضية الماء وأخذه بحجزتها ، ألا ترى أصل الكلام : قيل يا أرض ابلعي ماءك فبلعت ماءها ويا سماء أقلعي عن إرسال الماء فأقلعت عن إرساله ، وغيض الماء النازل من السماء فغاض ، ثم أتبعه ما هو المقصود من القصة وهو قوله تعالى : وَقُضِيَ الْأَمْرُ أي أنجز الموعود . . ثم أتبعه حديث السفينة وهو قوله : وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ ، ثم ختمت القصة بما ختمت . . . وأمّا النظر فيها من جانب الفصاحة المعنوية فهي كما ترى نظم للمعاني لطيف وتأدية لها ملخّصة مبيّنة ، لا تعقيد يعثّر الفكر في طلب المراد . ولا التواء يشيك الطريق إلى المرتاد ، بل إذا جربت نفسك عند استماعها وجدت ألفاظها تطابق معانيها ومعانيها تطابق ألفاظها . وأما النظر فيها من جانب الفصاحة اللفظية فألفاظها على ما ترى عربية مستعملة جارية على قوانين اللغة ، سليمة عن التّنافر ، بعيدة عن البشاعة ، عذبة على العذبات ، سلسلة على الأسلات . . . » . هذه نهاية كلام المفتاح . [ 45 - 47 ] [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 45 إلى 47 ] وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ ( 45 ) قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ ( 46 ) قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 47 ) موقع الآية يقتضي أنّ نداء نوح - عليه السّلام - هذا كان بعد استواء السفينة على الجوديّ نداء دعاه إليه داعي الشفقة فأراد به نفع ابنه في الآخرة بعد اليأس من نجاته في الدّنيا ، لأنّ اللّه أعلمه أنّه لا نجاة إلّا للّذين يركبون السّفينة ، ولأنّ نوحا - عليه السّلام - لمّا دعا ابنه إلى ركوب السّفينة فأبى وجرت السفينة قد علم أنّه لا وسيلة إلى نجاته فكيف