الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

259

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ومنهم من حمل فارَ و التَّنُّورُ على الحقيقة ، وأخرج الكلام مخرج التمثيل لاشتداد الحال ، كما يقال : حمي الوطيس . وقع حكاية ذلك في تفسير ابن عطية في هذه الآية وفي الكشاف في تفسير سورة المؤمنون : وأنشد الطبرسي قول الشاعر . وهو النابغة الجعدي : تفور علينا قدرهم فنديمها * ونفثأها عنّا إذا قدرها غلى يريد بالقدر الحرب ، ونفثأها ، أي نسكنها ، يقال : فثأ القدر إذا سكن غليانها بصب الماء فيها . وهذا أحسن ما حكي عن المفسرين . والذي يظهر لي أن قوله : وَفارَ التَّنُّورُ مثل لبلوغ الشيء إلى أقصى ما يتحمل مثله ، كما يقال : بلغ السيل الزبى ، وامتلأ الصاع ، وفاضت الكأس وتفاقم . والتنور : محفل الوادي ، أي ضفته ، فيكون مثل طما الوادي من قبيل بلغ السيل الزبى . والمعنى : بأن نفاذ أمرنا فيهم وبلغوا من طول مدة الكفر مبلغا لا يغتفر لهم بعد كما قال تعالى : فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ [ الزخرف : 55 ] . والتنور : اسم لموقد النار للخبز . وزعمه . الليث مما اتفقت فيه اللغات ، أي كالصابون والسمور . ونسب الخفاجي في شفاء الغليل هذا إلى ابن عباس . وقال أبو منصور : كلام الليث يدل على أنه في الأصل أعجمي . والدليل على ذلك أنه فعوّل من تنر ولا نعرف تنر في كلام العرب لأنه مهمل ، وقال غيره : ليس في كلام العرب نون قبل راء فإن نرجس معرب أيضا . وقد عدّ في الألفاظ المعربة الواقعة في القرآن . ونظمها ابن السبكي في شرحه على مختصر ابن الحاجب الأصلي ونسب ذلك إلى ابن دريد . قال أبو علي الفارسي : وزنه فعول . وعن ثعلب أنه عربي ، قال : وزنه تفعول من النور ( أي فالتاء زائدة ) وأصله تنوور بواوين ، فقلبت الواو الأولى همزة لانضمامها ثم حذفت الهمزة تخفيفا ثم شددت النون عوضا عما حذف أي مثل قوله : تقضّى البازي بمعنى تقضّض . وقرأ الجمهور مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ بإضافة كُلٍّ إلى زَوْجَيْنِ . والزوج : شيء يكون ثانيا لآخر في حالة . وأصله اسم لما ينضم إلى فرد فيصير زوجا له ، وكل منهما زوج للآخر . والمراد ب زَوْجَيْنِ هنا الذكر والأنثى من النوع ، كما يدل عليه إضافة كُلٍّ إلى زَوْجَيْنِ ، أي احمل فيها من أزواج جميع الأنواع .