الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
251
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وقولهم : فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا خبر مستعمل في التذمر والتضجير والتأييس من الاقتناع ، أجابهم بالمبادرة لبيان العذاب لأن ذلك أدخل في الموعظة فبادر به ثم عاد إلى بيان مجادلته . والإتيان بالشيء : إحضاره . وأرادوا به تعجيله وعدم إنظاره . و بِما تَعِدُنا مصداقه عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ [ هود : 26 ] . والقصر في قوله : إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ قصر قلب بناء على ظاهر طلبهم ، حملا لكلامهم على ظاهره على طريقة مجاراة الخصم في المناظرة ، وإلّا فإنهم جازمون بتعذّر أن يأتيهم بما وعدهم لأنهم يحسبونه كاذبا وهم جازمون بأنّ اللّه لم يتوعدهم ، ولعلّهم كانوا لا يؤمنون بوجود اللّه . وقوله : إِنْ شاءَ احتراس راجع إلى حمل العذاب على عذاب الدنيا . ومعنى وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ما أنتم بناجين وفالتين من الوعيد ، يريد أن العذاب واقع لا محالة . ولعل نوحا - عليه السّلام - لم يكن له وحي من اللّه بأن يحلّ بهم عذاب الدنيا ، فلذلك فوّضه إلى المشيئة ؛ أو لعلّه كان يوقن بنزوله بهم فيكون التعليق ب إِنْ شاءَ منظورا فيه إلى كون العذاب معجلا أو مؤخرا . [ 34 ] [ سورة هود ( 11 ) : آية 34 ] وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 34 ) عطف على وعظهم بحلول العذاب وتوقعه بيان حال مجادلته إيّاهم التي امتعضوا منها بأنها مجادلة لنفعهم وصلاحهم ، وفي ذلك تعريض بتحميقهم وتسفيه آرائهم حيث كرهوا ما هو نفع لهم . والنصح : قول أو عمل يريد صاحبه صلاح المعمول لأجله . وأكثر ما يطلق على الأقوال النافعة المنقذة من الأضرار . ويكون بالعمل كقوله تعالى : إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ في سورة التوبة [ 91 ] . وفي الحديث : « الدين النصيحة للّه ولرسوله » أي الإخلاص في العمل لهما لأنّ اللّه لا ينبّأ بشيء لا يعلمه . وقد تقدم في قوله تعالى : وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ في سورة الأعراف [ 79 ] . فالمراد بالنصح هنا هو ما سمّاه قومه بالجدال ، أي هو أولى بأن يسمّى نصحا ، لأن الجدال يكون للخير