الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
252
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والشر كما تقدم . وجملة الشرط في قوله : إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هي المقصود من الكلام ، فجوابها في معنى قوله : لا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي ولكن نظم الكلام بني على الإخبار بعدم نفع النصح اهتماما بذلك فجعل معطوفا على ما قبله وأتي بالشرط قيدا له . وأمّا قوله : إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ فهو شرط معترض بين الشرط وبين دليل جوابه لأنه ليس هو المقصود من التعليق ولكنه تعليق على تعليق ، وغير مقصود به التقييد أصلا ، فليس هذا من الشرط في الشروط المفروضة في مسائل الفقه وأصوله في نحو قول القائل : إن أكلت ، إن شربت فأنت طالق ، لأنها مفروضة في شرط مقيّد لشرط آخر . على أن المقصود إذا اجتمع فعلا الشرطين حصل مضمون جوابهما . ومثلوه بقول الشاعر : إن تستغيثوا بنا إن تذعروا تجدوا * منّا معاقل عزّ زانها كرم فأما قوله : إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ فكل من الشرطين مقصود التعليق به . وقد حذف جواب أحدهما لدلالة جواب الآخر عليه . والتعليق بالشرط في قوله : إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ مؤذن بعزمه على تجديد النصح في المستقبل لأن واجبه هو البلاغ وإن كرهوا ذلك . وأشار بقوله : إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ إلى ما هم فيه من كراهية دعوة نوح - عليه السلام - سببه خذلان اللّه إيّاهم ولولاه لنفعهم نصحه ، ولكن نوحا - عليه السلام - لا يعلم مراد اللّه من إغوائهم ولا مدى استمرار غوايتهم فلذلك كان عليه أن ينصح لهم إلى نهاية الأمر . وتقدم الكلام على دخول اللام على مفعول ( نصح ) عند قوله تعالى : إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ في براءة [ 91 ] . والإغواء : جعل الشخص ذا غواية ، وهي الضلال عن الحق والرشد . وجملة هُوَ رَبُّكُمْ ابتدائية لتعليمهم أن اللّه ربهم إن كانوا لا يؤمنون بوجود اللّه ، أو لتذكيرهم بذلك إن كانوا يؤمنون بوجوده ويشركون معه ودّا ، وسواعا ، ويغوث ، ويعوق ، ونسرا . والتقديم في وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ للاهتمام ولرعاية الفاصلة وليس للقصر ، لأنهم لا