الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

250

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والكمالات النفسانية والعطايا اللدنية التي اللّه أعلم بها . واسم التفضيل هنا مسلوب المفاضلة مقصود منه شدة العلم . وجملة إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ تعليل ثان لنفي أن يقول : لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً . و إِذاً حرف جواب وجزاء مجازاة للقول ، أي لو قلت ذلك لكنت من الظالمين ، وذلك أنه يظلمهم بالقضاء عليهم بما لا يعلم من حقيقتهم ، ويظلم نفسه باقتحام القول بما لا يصدق . وقوله : لَمِنَ الظَّالِمِينَ أبلغ في إثبات الظلم من : إني ظالم ، كما تقدم في قوله تعالى : قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ في سورة البقرة [ 67 ] . وأكده بثلاث مؤكدات : إنّ ولام الابتداء وحرف الجزاء ، تحقيقا لظلم الذين رموا المؤمنين بالرذالة وسلبوا الفضل عنهم ، لأنه أراد التعريض بقومه في ذلك . وسيجيء في سورة الشعراء ذكر موقف آخر لنوح - عليه السلام - مع قومه في شأن هؤلاء المؤمنين . [ 32 ، 33 ] [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 32 إلى 33 ] قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 32 ) قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ( 33 ) فصلت هذه الجملة فصلا على طريقة حكاية الأقوال في المحاورات كما تقدم في قصة آدم - عليه السلام - من سورة البقرة . والمجادلة : المخاصمة بالقول وإيراد الحجّة عليه ، فتكون في الخير كقوله : يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ [ هود : 74 ] ، ويكون في الشر كقوله : وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ [ البقرة : 197 ] . وإنما أرادوا أنه جادلهم فيما هو شر فعبّر عن مرادهم بلفظ الجدال الموجّه ، وقد مضى عند قوله تعالى : وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ في سورة النساء [ 107 ] . وهذا قول وقع عقب مجادلته المحكية في الآية قبل هذه ، فتعين أن تلك المجادلة كانت آخر مجادلة جادلها قومه ، وأن ضجرهم وسآمتهم من تكرار مجادلته حصل ساعتئذ فقالوا قولهم هذا ، كانت كلها مجادلات مضت . وكانت المجادلة الأخيرة هي الّتي استفزّت امتعاضهم من قوارع جدله حتى سئموا من تزييف معارضتهم وآرائهم شأن المبطل إذا دمغته الحجة ، ولذلك أرادوا طي بساط الجدال ، وأرادوا إفحامه بأن طلبوا تعجيل ما توعدهم من عذاب ينزل بهم كقوله آنفا : إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ [ هود : 26 ] .