الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

244

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والمراد بالرحمة نعمة النبوءة والتفضيل عليهم الذي أنكروه ، مع ما صحبها من البيّنة لأنّها من تمامها ، فعطف ( الرحمة ) على ( البينة ) يقتضي المغايرة بينهما ، وهي مغايرة بالعموم والخصوص لأن الرحمة أعم من البينة إذ البينة على صدقه من جملة الرحمة به ، ولذلك لما أعيد الضمير في قوله : فَعُمِّيَتْ أعيد على ( الرحمة ) لأنها أعم . و عَلَيْكُمْ متعلقة ب ( عميت ) وهو حرف تتعدى به الأفعال الدّالة على معنى الخفاء ، مثل : خفي عليك . ولما كان عمي في معنى خفي عدّي ب ( على ) ، وهو للاستعلاء المجازي أي التمكن ، أي قوة ملازمة البينة والرحمة له . واختيار وصف الرب دون اسم الجلالة للدّلالة على أن إعطاءه البينة والرحمة فضل من اللّه أراد به إظهار رفقه وعنايته به . ومعنى فَعُمِّيَتْ فخفيت ، وهو استعارة ، إذ شبهت الحجة التي لم يدركها المخاطبون كالعمياء في أنها لم تصل إلى عقولهم كما أن الأعمى لا يهتدي للوصول إلى مقصده فلا يصل إليه . ولمّا ضمّن معنى : الخفاء عدي فعل ( عميت ) بحرف ( على ) تجريدا للاستعارة . وفي ضد هذه الاستعارة جاء قوله تعالى : وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً [ الإسراء : 59 ] ، أي آتيناهم آية واضحة لا يستطاع جحدها لأنها آية محسوسة ، ولذلك سمّي جحدهم إياها ظلما فقال : فَظَلَمُوا بِها [ الإسراء : 59 ] . ومن بديع هذه الاستعارة هنا أن فيها طباقا لمقابلة قولهم في مجادلتهم ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً - وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ - وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ [ هود : 27 ] . فقابل نوح - عليه السلام - كلامهم مقابلة بالمعنى واللفظ إذ جعل عدم رؤيتهم من قبيل العمى . وعطف ( عميت ) بفاء التعقيب إيماء إلى عدم الفترة بين إيتائه البينة والرحمة وبين خفائها عليهم . وهو تعريض لهم بأنهم بادروا بالإنكار قبل التأمل . وجملة أَ نُلْزِمُكُمُوها سادة مسد مفعولي أَ رَأَيْتُمْ لأن الفعل علّق عن العمل بدخول همزة الاستفهام . وجواب الشرط محذوف دلّ عليه فعل أَ رَأَيْتُمْ وما سدّ مسد مفعوليه . وتقدير الكلام : قال يا قوم إن كنت على بيّنة من ربي إلى آخره أترون أنلزمكم قبول البينة وأنتم لها كارهون . وجيء بضمير المتكلم المشارك هنا للإشارة إلى أن الإلزام لو فرض وقوعه لكان له