الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

245

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

أعوان عليه وهم أتباعه فأراد أن لا يهمل ذكر أتباعه وأنهم أنصار له لو شاء أن يهيب بهم . والقصد من ذلك التنويه بشأنهم في مقابلة تحقير الآخرين إياهم . والاستفهام إنكاري ، أي ما كان لنا ذلك لأن اللّه لم يأمره بإكراههم إعراضا عن العناية بهم فترك أمرهم إلى اللّه ، وذلك أشد في توقع العقاب العظيم . والكاره : المبغض لشيء . وعدّي باللام إلى مفعوله لزيادة تقوية تعلق الكراهية بالرحمة أو البينة ، أي وأنتم مبغضون قبولها لأجل إعراضكم عن التدبّر فيها . وتقديم المجرور على كارِهُونَ لرعاية الفاصلة مع الاهتمام بشأنها . والمقصود من كلامه بعثهم على إعادة التأمل في الآيات . وتخفيض نفوسهم . واستنزالهم إلى الإنصاف . وليس المقصود معذرتهم بما صنعوا ولا العدول عن تكرير دعوتهم . [ 29 ] [ سورة هود ( 11 ) : آية 29 ] وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالاً إِنْ أَجرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ ( 29 ) إعادة الخطاب ب يا قَوْمِ تأكيد لما في الخطاب به أول مرة من المعاني الّتي ذكرناها ، وأما عطف النداء بالواو مع أن المخاطب به واحد وشأن عطف النداء أن يكون عند اختلاف المنادى ، كقول المعري : يا ساهر البرق أيقظن راقد السمر * لعل بالجزع أعوانا على السهر ثم قال : ويا أسيرة حجليها أرى سفها * حمل الحلي بمن أعيا عن النظر فأما إذا اتّحد المنادى فالشأن عدم العطف كما في قصة إبراهيم - عليه السلام - في سورة مريم [ 42 - 45 ] إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ - إلى قوله - وَلِيًّا فقد تكرّر النداء أربع مرات . فتعين هنا أن يكون العطف من مقول نوح - عليه السّلام - لا من حكاية اللّه عنه . ثمّ يجوز أن يكون تنبيها على اتّصال النداءات بعضها ببعض ، وأن أحدها لا يغني عن الآخر ، ولا يكون ذلك من قبيل الوصل لأن النداء افتتاح كلام فجملته ابتدائية وعطفها إذا عطفت مجرد عطف لفظي . ويجوز أن يكون ذلك تفننا عربيا في الكلام عند تكرر النداء استحسانا للمخالفة بين التأكيد والمؤكد . وسيجيء نظير هذا قريبا في قصة هود - عليه السلام - وقصة