الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

192

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وأكّد الكون من الظالمين على ذلك التقدير ب ( إنّ ) لزيادة التحذير ، وأتي ب ( إذن ) للإشارة إلى سؤال مقدر كأن سائلا سأل : فإن فعلت فما ذا يكون ؟ . وفي قوله : مِنَ الظَّالِمِينَ من تأكيد مثل ما تقدم في قوله : مِنَ الْمُشْرِكِينَ [ يونس : 105 ] ونظائره . والمقصود من هذا الفرض تنبيه الناس على فظاعة عظم هذا الفعل حتى لو فعله أشرف المخلوقين لكان من الظالمين ، على حد قوله تعالى : وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [ الزمر : 65 ] . [ 107 ] [ سورة يونس ( 10 ) : آية 107 ] وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ( 107 ) عطف على جملة : وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ [ يونس : 106 ] لقصد التعريض بإبطال عقيدة المشركين أن الأصنام شفعاء عند اللّه ، فلما أبطلت الآية السابقة أن تكون الأصنام نافعة أو ضارة ، وكان إسناد النفع أو الضر أكثر ما يقع على معنى صدورهما من فاعلهما ابتداء ، ولا يتبادر من ذلك الإسناد معنى الوساطة في تحصيلهما من فاعل ، عقبت جملة وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ [ يونس : 106 ] بهذه الجملة للإعلام بأن إرادة اللّه النفع أو الضر لأحد لا يستطيع غيره أن يصرفه عنها أو يتعرض فيها إلا من جعل اللّه له ذلك بدعاء أو شفاعة . ووجه عطفها على الجملة السابقة لما بينهما من تغاير في المعنى بالتفصيل والزيادة ، وبصيغتي العموم في قوله : فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وفي قوله : فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ الداخل فيهما أصنامهم وهي المقصودة ، كما صرح به في قوله تعالى في سورة الزمر [ 38 ] أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ . وتوجيه الخطاب للنبي صلى اللّه عليه وسلم لأنه أولى الناس بالخير ونفي الضر . فيعلم أن غيره أولى بهذا الحكم وهذا المقصود . والمس : حقيقته وضع اليد على جسم لاختبار ملمسه ، وقد يطلق على الإصابة مجازا مرسلا . وقد تقدم عند قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ