الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

193

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

في آخر سورة الأعراف [ 201 ] . والإرادة بالخير : تقديره والقصد إليه . ولما كان الذي لا يعجزه شيء ولا يتردد علمه فإذا أراد شيئا فعله ، فإطلاق الإرادة هنا كناية عن الإصابة كما يدل عليه قوله بعده : يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ . وقد عبر بالمس في موضع الإرادة في نظيرها في سورة الأنعام [ 17 ] وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . ولكن عبر هنا بالإرادة مبالغة في سلب المقدرة عمن يريد معارضة مراده تعالى كائنا من كان بحيث لا يستطيع التعرض للّه في خيره ولو كان بمجرد إرادته قبل حصول فعله ، فإن التعرض حينئذ أهون لأن الدفع أسهل من الرفع ، وأما آية سورة الأنعام فسياقها في بيان قدرة اللّه تعالى لا في تنزيهه عن المعارض والمعاند . والفضل : هو الخير ، ولذلك فإيقاعه موقع الضمير للدلالة على أن الخير الواصل إلى الناس فضل من اللّه لا استحقاق لهم به لأنهم عبيد إليه يصيبهم بما يشاء . وتنكير ( ضر ) و ( خير ) للنوعية الصالحة للقلة والكثرة . وكل من جملة ؛ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وجملة : فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ جواب للشرط المذكور معها ، وليس الجواب بمحذوف . وجملة : يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ واقعة موقع البيان لما قبلها والحوصلة له ، فلذلك فصلت عنها . والضمير المجرور بالباء عائد إلى الخير ، فيكون امتنانا وحثا على التعرض لمرضاة اللّه حتى يكون مما حقت عليهم مشيئة اللّه أن يصيبهم بالخير ؛ أو يعود إلى ما تقدم من الضر ، والضمير باعتبار أنه مذكور فيكون تخويفا وتبشيرا وتحذيرا وترغيبا . وقد أجملت المشيئة هنا ولم تبين أسبابها ليسلك لها الناس كل مسلك يأملون منه تحصيلها في العطاء وكل مسلك يتقون بوقعهم فيها في الحرمان . والإصابة : اتصال شيء بآخر ووروده عليه ، وهي في معنى المس المتقدم ، فقوله : يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ هو في معنى قوله في سورة الأنعام [ 17 ] وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . والتذييل بجملة : وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ يشير إلى أن إعطاء الخير فضل من اللّه