الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

14

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وجملة يُدَبِّرُ الْأَمْرَ في موضع الحال من اسم الجلالة ، أو خبر ثان عن رَبَّكُمُ . والتدبير : النظر في عواقب المقدرات وعوائقها لقصد إيقاعها تامة فيما تقصد له محمودة العاقبة . والغاية من التدبير الإيجاد والعمل على وفق ما دبر . وتدبير اللّه الأمور عبارة عن تمام العلم بما يخلقها عليه ، لأن لفظ التدبير هو أوفى الألفاظ اللغوية بتقريب إتقان الخلق . والأمر : جنس يعم جميع الشؤون والأحوال في العالم . وتقدم في قوله : وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ في سورة براءة [ 48 ] . وفي إجراء هذه الصفات على اللّه تعالى تعريض بالرد على المشركين إذ جعلوا لأنفسهم آلهة لا تخلق ولا تعلم ؛ كما قال تعالى : لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ [ النخل : 20 ] . ولذلك حسن وقع جملة ما مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ عقب جملة : الَّذِي خَلَقَ بتمامها ، لأن المشركين جعلوا آلهتهم شفعاء فإذا أنذروا بغضب الله يقولون : هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ [ يونس : 18 ] ، أي حماتنا من غضبه . فبعد أن وصف الإله الحق بما هو منتف عن آلهتهم نفي عن آلهتهم وصف الشفاعة عند اللّه وحماية المغضوب عليهم منه . وأكد النفي ب مِنْ التي تقع بعد حرف النفي لتأكيد النفي وانتفاء الوصف عن جميع أفراد الجنس الذي دخلت ( من ) على اسمه بحيث لم تبق لآلهتهم خصوصية . وزيادة إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ احتراس لإثبات شفاعة محمد صلى اللّه عليه وسلم بإذن الله ، قال تعالى : وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى [ الأنبياء : 28 ] . والمقصود من ذلك نفي الشفاعة لآلهتهم من حيث إنهم شركاء لله في الإلهية ، فشفاعتهم عنده نافذة كشفاعة الند عند نده . والشفاعة تقدست عند قوله تعالى : وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ في سورة البقرة [ 48 ] . وكذلك الشفيع تقدم عند قوله : فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ في سورة الأعراف [ 53 ] . وموقع جملة : ما مِنْ شَفِيعٍ مثل موقع جملة : يُدَبِّرُ الْأَمْرَ . وجملة : ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ ابتدائية فذلكة للجمل التي قبلها ونتيجة لها ، وهي معترضة بين تلك الجمل وبين الجملة المفرعة عليها ، وهي جملة : فَاعْبُدُوهُ ، وتأكيد لمضمون الجملة الأصلية وهي جملة : إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ .