الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

15

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والإتيان في صدرها باسم الإشارة لتمييزه أكمل تمييز لأنهم امتروا في صفة الإلهية وضلوا فيها ضلالا مبينا ، فكانوا أحرياء بالإيقاظ بطريق اسم الإشارة ، وللتنبيه على أن المشار إليه حقيق بما سيذكر بعد اسم الإشارة من حيث إنه اتصف بتلك الأوصاف التي أشير إليه من أجلها ، فإن خالق العوالم بغاية الإتقان والمقدرة ومالك أمرها ومدبر شؤونها والمتصرف المطلق مستحق للعبادة نظير الإشارة في قوله : أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ [ البقرة : 5 ] بعد قوله : لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ إلى قوله : هُمْ يُوقِنُونَ [ البقرة : 2 - 4 ] . وفرّع على كونه ربهم أن أمروا بعبادته ، والمفرّع هو المقصود من الجملة وما قبله مؤكد لجملة : إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ تأكيدا بفذلكة وتحصيل . والتقدير : إن ربكم اللّه إلى قوله : فَاعْبُدُوهُ ، كقوله : قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا [ يونس : 58 ] إذ وقع قوله ( فبذلك ) تأكيدا لجملة بفضل اللّه وبرحمته . وأوقع بعده الفرع وهو ( فليفرحوا ) . والتقدير : قل بفضل اللّه وبرحمته فليفرحوا بذلك . والمقصود من العبادة العبادة الحق التي لا يشرك معه فيها غيره ، بقرينة تفريع الأمر بها على الصفات المنفرد بها اللّه دون معبوداتهم . وجملة : أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ابتدائية للتقريع . وهو غرض جديد ، فلذلك لم تعطف ، فالاستفهام إنكار لانتفاء تذكرهم إذ أشركوا معه غيره ولم يتذكروا في أنه المنفرد بخلق العوالم وبملكها وبتدبير أحوالها . والتذكّر : التأمل . وهو بهذه الصيغة لا يطلق إلا على ذكر العقل لمعقولاته ، أي حركته في معلوماته ، فهو قريب من التفكر ؛ إلا أن التذكر لما كان مشتقا من مادة الذكر التي هي في الأصل جريان اللفظ على اللسان ، والتي يعبر بها أيضا عن خطور المعلوم في الذهن بعد سهوه وغيبته عنه كان مشعرا بأنه حركة الذهن في معلومات متقررة فيه من قبل . فلذلك أوثر هنا دون لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ [ البقرة : 219 ] للإشارة إلى أن الاستدلال على وحدانية اللّه تعالى قد تقرر في النفوس بالفطرة ، وبما تقدم لهم من الدعوة والأدلة فيكفي في الاستدلال مجرد إخطار هذه الأدلة في البال . [ 4 ] [ سورة يونس ( 10 ) : آية 4 ] إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ ( 4 )