الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
102
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الْمُجْرِمُونَ الذي هو ساد مسد مفعولي ( أرأيتم ) إذ علقه عن العمل الاستفهام ب ( ما ذا ) . و ما ذا كلمتان هما ( ما ) الاستفهامية و ( إذا ) . أصله إشارة مشار به إلى مأخوذ من الكلام الواقع بعده . واستعمل ( ذا ) مع ( ما ) الاستفهامية في معنى الذي لأنهم يراعون لفظ الذي محذوفا . وقد يظهر كقوله تعالى : مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [ البقرة : 255 ] . وهذا الاستفهام مستعمل في الإنكار عليهم ، وفي التعجيب من تعجلهم العذاب بنية أنهم يؤمنون به عند نزوله . و ( من ) للتبعيض . والمعنى ما الذي يستعجله المجرمون من العذاب ، أي لا شيء من العذاب بصالح لاستعجالهم إياه لأن كل شيء منه مهلك حائل بينهم وبين التمكن من الإيمان وقت حلوله . وفائدة الإشارة إليه ، تهويله أو تعظيمه أو التعجيب منه كقوله تعالى : ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا [ البقرة : 26 ] ، فالمعنى ما هذا العذاب العظيم في حال كونه يستعجله المجرمون ، فجملة يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ في موضع الحال من اسم الإشارة ، أي أن مثله لا يستعجل بل شأنه أن يستأخر . و ( من ) بيانية ، والمعنى معها على معنى ما يسمى في فن البديع بالتجرد . واعلم أن النحاة يذكرون استعمال ( ما ذا ) بمعنى ( ما الذي ) وإنما يعنون بذلك بعض مواضع استعماله وليس استعمالا مطردا . وقد حقق ابن مالك في « الخلاصة » إذ زاد قيدا في هذا الاستعمال فقال : ومثل ما ، ذا بعد ما استفهام * أو من إذا لم تلغ في الكلام يريد إذا لم يكن مزيدا . وإنما عبر بالإلغاء فرارا من إيراد أن الأسماء لا تزاد . والحق أن المراد بالزيادة أن اسم الإشارة غير مفيد معناه الموضوع له ولا هو بمفيد تأسيس معنى في الكلام ولكنه للتقوية والتأكيد الحاصل من الإشارة إلى ما يتضمنه الكلام ، وقد أشار إلى استعمالاته صاحب « مغنى اللبيب » في فصل عقده ل ( ما ذا ) وأكثر من المعاني ولم يحرر انتساب بعضها من بعض . وانظر ما تقدم عند قوله تعالى : فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ [ يونس : 32 ] المتقدم آنفا ، وقوله تعالى : ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا في سورة البقرة [ 26 ] . والمجرمون : أصحاب الجرم وهو جرم الشرك . والمراد بهم الذين يقولون مَتى هذَا