الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

103

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الْوَعْدُ [ يونس : 48 ] ، وهم مشركو مكة فوقع الإظهار في مقام الإضمار عوض أن يقال ما ذا يستعجلون منه لقصد التسجيل عليهم بالإجرام ، وللتنبيه على خطئهم في استعجال الوعيد لأنه يأتي عليهم بالإهلاك فيصيرون إلى الآخرة حيث يفضون إلى العذاب الخالد فشأنهم أن يستأخروا الوعد لا أن يستعجلوه ، فدل ذلك على أن المعنى لا يستعجلون منه إلّا شرا . وعطفت جملة : أَ ثُمَّ إِذا ما وَقَعَ بحرف المهلة للدلالة على التراخي الرتبي كما هو شأن ( ثم ) في عطفها الجمل ، لأن إيمانهم بالعذاب الذي كانوا ينكرون وقوعه حين وقوعه بهم أغرب وأهم من استعجالهم به . وهمزة الاستفهام مقدمة من تأخير كما هو استعمالها مع حروف العطف المفيدة للتشريك . والتقدير : ثم أإذا ما وقع ، وليس المراد الاستفهام عن المهلة . والمستفهم عنه هو حصول الإيمان في وقت وقوع العذاب ، وهذا الاستفهام مستعمل في الإنكار بمعنى التغليط وإفساد رأيهم ، فإنهم وعدوا بالإيمان عند نزول العذاب استهزاء منهم فوقع الجواب بمجاراة ظاهر حالهم وبيان أخطائهم ، أي أتؤمنون بالوعد عند وقوعه على طريقة الأسلوب الحكيم ، كقوله تعالى : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ [ البقرة : 189 ] . وكلمة آلْآنَ استفهام إنكاري عن حصول إيمانهم عند حلول ما توعدهم ، فعبر عن وقت وقوعه باسم الزمان الحاضر وهو ( الآن ) حكاية للسان حال منكر عليهم في ذلك الوقت استحضر حال حلول الوعد كأنه حاضر في زمن التكلم ، وهذا الاستحضار من تخييل الحالة المستقبلة واقعة . ولذلك يحسن أن نجعل ( آلآن ) استعارة مكنية بتشبيه الزمن المستقبل بزمن الحال ، ووجه الشبه الاستحضار . ورمز إلى المشبه به بذكر لفظ من روادفه ، وهو اسم الزمن الحاضر . وجملة : وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ترشيح ، وإما تقدير قول في الكلام ، أي يقال لهم إذا آمنوا بعد نزول العذاب آلآن آمنتم ، كما ذهب إليه أكثر المفسرين . فذلك تقدير معنى لا تقدير نظم وإعراب لأن نظم هذا الكلام أدق من ذلك . ومعنى : تَسْتَعْجِلُونَ تكذبون ، فعبر عن التكذيب بالاستعجال حكاية لحاصل قولهم مَتى هذَا الْوَعْدُ [ يونس : 48 ] الذي هو في صورة الاستعجال ، والمراد منه التكذيب .