الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

95

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

للمستقبل ، على ما هو الغالب فيها ، وكان قوله : إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً [ التوبة : 39 ] تحذيرا من ترك الخروج إلى غزوة تبوك ، وهذا كلّه بعيد ممّا ثبت في « السيرة » وما ترجّح في نزول هذه السورة . و ما في قوله : و ما لَكُمْ اسم استفهام إنكاري ، والمعنى : أي شيء ، و لَكُمْ خبر عن الاستفهام أي : أي شيء ثبت لكم . و إِذا ظرف تعلّق بمعنى الاستفهام الإنكاري على معنى : أنّ الإنكار حاصل في ذلك الزمان الذي قيل لهم فيه : انفروا ، وليس مضمّنا معنى الشرط لأنّه ظرف مضيّ . وجملة اثَّاقَلْتُمْ في موضع الحال من ضمير الجماعة ، وتلك الحالة هي محل الإنكار ، أي : ما لكم متثاقلين . يقال : ما لك فعلت كذا ، وما لك تفعل كذا كقوله : ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ [ الصافات : 25 ] ، وما لك فاعلا ، كقوله : فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ [ النساء : 88 ] . والنّفر : الخروج السريع من موضع إلى غيره لأمر يحدث ، وأكثر ما يطلق على الخروج إلى الحرب ، ومصدره حينئذ النفير . وسبيل اللّه : الجهاد ، سمّي بذلك لأنّه كالطريق الموصّل إلى اللّه ، أي إلى رضاه . و اثَّاقَلْتُمْ أصله تثاقلتم قلبت التاء المثنّاة ثاء مثلّثة لتقارب مخرجيهما طلبا للإدغام ، واجتلبت همزة الوصل لإمكان تسكين الحرف الأول من الكلمة عند إدغامه . ( والتثاقل ) تكلّف الثقل ، أي إظهار أنّه ثقيل لا يستطيع النهوض . والثقل حالة في الجسم تقتضي شدّة تطلّبه للنزول إلى أسفل ، وعسر انتقاله ، وهو مستعمل هنا في البطء مجازا مرسلا ، وفيه تعريض بأنّ بطأهم ليس عن عجز ، ولكنّه عن تعلّق بالإقامة في بلادهم وأموالهم . وعدّي التثاقل ب إِلَى لأنّه ضمن معنى الميل والإخلاد ، كأنّه تثاقل يطلب فاعله الوصول إلى الأرض للقعود والسكون بها . والأرض ما يمشي عليه الناس . ومجموع قوله : اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ تمثيل لحال الكارهين للغزو المتطلّبين للعذر عن الجهاد كسلا وجبنا بحال من يطلب منه النهوض والخروج ، فيقابل ذلك الطلب