الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
96
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
بالالتصاق بالأرض ، والتمكّن من القعود ، فيأبى النهوض فضلا عن السير . وقوله : إِلَى الْأَرْضِ كلام موجه بديع : لأنّ تباطؤهم عن الغزو ، وتطلّبهم العذر ، كان أعظم بواعثه رغبتهم البقاء في حوائطهم وثمارهم ، حتّى جعل بعض المفسّرين معنى اثاقلتم إلى الأرض : ملتم إلى أرضكم ودياركم . والاستفهام في أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا إنكاري توبيخي ، إذ لا يليق ذلك بالمؤمنين . و مِنَ في مِنَ الْآخِرَةِ للبدل : أي كيف ترضون بالحياة الدنيا بدلا عن الآخرة . ومثل ذلك لا يرضى به والمراد بالحياة الدنيا ، وبالآخرة : منافعهما ، فإنّهم لمّا حاولوا التخلّف عن الجهاد قد آثروا الراحة في الدنيا على الثواب الحاصل للمجاهدين في الآخرة . واختير فعل رَضِيتُمْ دون نحو آثرتم أو فضّلتم : مبالغة في الإنكار ، لأن فعل ( رضي بكذا ) يدلّ على انشراح النفس ، ومنه قول أبي بكر الصديق في حديث الغار « فشرب حتّى رضيت » . والمتاع : اسم مصدر تمتّع ، فهو الالتذاذ والتنعّم ، كقوله : مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ * [ عبس : 32 ] ووصفه ب قَلِيلٌ بمعنى ضعيف ودنيء استعير القليل للتافه . ويحتمل أن يكون المتاع هنا مرادا به الشيء المتمتّع به ، من إطلاق المصدر على المفعول ، كالخلق بمعنى المخلوق فالإخبار عنه بالقليل حقيقة . وحرف فِي من قوله : فِي الْآخِرَةِ دالّ على معنى المقايسة ، وقد جعلوا المقايسة من معاني فِي كما في « التسهيل » و « المغني » ، واستشهدوا بهذه الآية أخذا من « الكشاف » ولم يتكلّم على هذا المعنى شارحوهما ولا شارحو « الكشّاف » ، وقد تكرّر نظيره في القرآن كقوله في سورة الرعد [ 26 ] وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتاعٌ ، وقوله صلى اللّه عليه وسلم في حديث مسلم « ما الدنيا في الآخرة إلّا كمثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليمّ فلينظر بم يرجع » وهو في التحقيق ( من ) الظرفية المجازية : أي متاع الحياة الدنيا إذا أقحم في خيرات الآخرة كان قليلا بالنسبة إلى كثرة خيرات الآخرة ، فلزم أنّه ما ظهرت قلّته إلّا عندما قيس بخيرات عظيمة ونسب إليها ، فالتحقيق أنّ المقايسة معنى حاصل لاستعمال حرف الظرفية ، وليس معنى موضوعا له حرف ( في ) .