الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
94
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
هذا ابتداء خطاب للمؤمنين للتحريض على الجهاد في سبيل اللّه ، بطريقة العتاب على التباطؤ بإجابة دعوة النفير إلى الجهاد ، والمقصود بذلك غزوة تبوك . قال ابن عطية : « لا اختلاف بين العلماء في أنّ هذه الآية نزلت عتابا على تخلّف من تخلّف عن غزوة تبوك ، إذ تخلّف عنها قبائل ورجال من المؤمنين والمنافقون » فالكلام متّصل بقوله : وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً [ التوبة : 36 ] - وبقوله - قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ - إلى قوله - فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ [ التوبة : 29 - 35 ] كما أشرنا إليه في تفسير تلك الآيات . وهو خطاب للذين حصل منهم التثاقل ، وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم استنفر المسلمين إلى تلك الغزوة ، وكان ذلك في وقت حرّ شديد ، واستقبل سفرا بعيدا ومفازا ، حين نضجت الثمار ، وطابت الظلال ، وكان المسلمون يومئذ في شدّة حاجة إلى الظهر والعدّة . فلذلك سمّيت غزوة العسرة كما سيأتي في هذه السورة ، فجلى رسول اللّه للمسلمين أمرهم ليتأهّبوا أهبة عدوّهم ، وأخبرهم بوجهه الذي يريد ، وكان قبل ذلك لا يريد غزوة إلّا ورّى بما يوهم مكانا غير المكان المقصود ، فحصل لبعض المسلمين تثاقل ، ومن بعضهم تخلّف ، فوجه اللّه إليهم هذا الملام المعقّب بالوعيد . فإنّ نحن جرينا على أنّ نزول السورة كان دفعة واحدة ، وأنّه بعد غزوة تبوك ، كما هو الأرجح ، وهو قول جمهور المفسّرين ، كان محمل هذه الآية أنّها عتاب على ما مضى وكانت إِذا مستعملة ظرفا للماضي ، على خلاف غالب استعمالها ، كقوله تعالى : وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها [ الجمعة : 11 ] وقوله : وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ [ التوبة : 92 ] الآية ، فإنّ قوله : وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [ النساء : 75 ] صالح لإفادة ذلك ، وتحذير من العودة إليه ، لأنّ قوله : إِلَّا تَنْفِرُوا و إِلَّا تَنْصُرُوهُ و انْفِرُوا خِفافاً مراد به ما يستقبل حين يدعون إلى غزوة أخرى ، وسنبيّن ذلك مفصّلا في مواضعه من الآيات . وإن جرينا على ما عزاه ابن عطية إلى النقاش : أنّ قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ هي أول آية نزلت من سورة براءة ، كانت الآية عتابا على تكاسل وتثاقل ظهرا على بعض الناس ، فكانت إِذا ظرفا