الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

78

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

عثمان : إنّما نزلت الآية في أهل الكتاب ، فقال أبو ذرّ : نزلت فيهم وفينا ، واشتدّ قول أبي ذرّ على الناس ورأوه قولا لم يقله أحد في زمن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وصاحبيه فشكاه معاوية إلى عثمان ، فاستجلبه من الشام وخشي أبو ذر الفتنة في المدينة فاعتزلها وسكن الربذة وثبت على رأيه وقوله . والفاء في قوله : فَبَشِّرْهُمْ داخلة على خبر الموصول ، لتنزيل الموصول منزلة الشرط ، لما فيه من الإيماء إلى تعليل الصلة في الخبر ، فضمير الجمع عائد إلى الَّذِينَ ويجوز كون الضمير عائدا إلى الأحبار والرهبان والذين يكنزون . والفاء للفصيحة بأن يكون بعد أن ذكر آكلي الأموال الصادّين عن سبيل اللّه وذكر الكانزين ، أمر رسوله بأن ينذر جميعهم بالعذاب ، فدلّت الفاء على شرط محذوف تقديره : إذا علمت أحوالهم هذه فبشّرهم ، والتبشير مستعار للوعيد على طريقة التهكّم . [ 35 ] [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 35 ] يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ ( 35 ) انتصب يَوْمَ يُحْمى على الظرفية لعذاب [ التوبة : 34 ] ، لما في لفظ عذاب من معنى يعذّبون . وضمير عَلَيْها عائد إلى الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ [ التوبة : 34 ] بتأويلهما بالدنانير والدراهم ، أو عائد إلى أَمْوالَ النَّاسِ [ التوبة : 34 ] و الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ [ التوبة : 34 ] ، إن كان الضمير في قوله : فَبَشِّرْهُمْ [ التوبة : 34 ] عائدا إلى الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ و الَّذِينَ يَكْنِزُونَ [ التوبة : 34 ] . والحمي شدّة الحرارة . يقال : حمي الشيء إذا اشتدّ حرّه . والضمير المجرور بعلى عائد إلى الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ [ التوبة : 34 ] باعتبار أنّها دنانير أو دراهم ، وهي متعدّدة وبني الفعل للمجهول لعدم تعلّق الغرض بالفاعل ، فكأنّه قيل : يوم يحمي الحامون عليها ، وأسند الفعل المبني للمجهول إلى المجرور لعدم تعلّق الغرض بذكر المفعول المحمي لظهوره : إذ هو النار التي تحمى ، ولذلك لم يقرن بعلامة التأنيث ، عدّي بعلى الدالّة على الاستعلاء المجازي لإفادة أنّ الحمي تمكّن من الأموال بحيث تكتسب حرارة المحمي كلها ، ثم أكّد معنى التمكّن بمعنى الظرفية التي في قوله : فِي نارِ جَهَنَّمَ فصارت الأموال محمية عليها النار وموضوعة في النار . وبإضافة النار إلى جهنّم علم أنّ المحمي هو نار جهنّم التي هي أشدّ نار في الحرارة فجاء تركيبا بديعا من البلاغة والمبالغة في إيجاز .