الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

79

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والكيّ : أن يوضع على الجلد جمر أو شيء مشتعل . والجباه : جمع جبهة وهي أعلى الوجه ممّا يلي الرأس . والجنوب : جمع جنب وهو جانب الجسد من اليمين واليسار . والظّهور : جمع ظهر وهو ما بين العنفقة إلى منتهى فقار العظم . والمعنى : تعميم جهات الأجساد بالكي فإنّ تلك الجهات متفاوتة ومختلفة في الإحساس بألم الكي ، فيحصل مع تعميم الكي إذاقة لأصناف من الآلام . وسلك في التعبير عن التعميم مسلك الإطناب بالتعداد لاستحضار حالة ذلك العقاب الأليم ، تهويلا لشأنه ، فلذلك لم يقل : فتكوى بها أجسادهم . وكيفية إحضار تلك الدراهم والدنانير لتحمى من شؤون الآخرة الخارقة للعادات المألوفة فبقدرة اللّه تحضر تلك الدنانير والدراهم أو أمثالها كما ورد في حديث مانع الزكاة في « الموطأ » و « الصحيحين » أنّه يمثّل له ماله شجاعا أقرع يأخذ بلهزمتيه يقول : « أنا مالك أنا كنز لك » وبقدرة اللّه يكوى الممتنعون من إنفاقها في سبيل اللّه ، وإن كانت قد تداول أعيانها خلق كثير في الدنيا بانتقالها من يد إلى يد ، ومن بلد إلى بلد ، ومن عصر إلى عصر . وجملة هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ مقول قول محذوف ، وحذف القول في مثله كثير في القرآن ، والإشارة إلى المحمي ، وزيادة قوله : لِأَنْفُسِكُمْ للتنديم والتغليظ ولام التعليل مؤذنة بقصد الانتفاع لأنّ الفعل الذي علّل بها هو من فعل المخاطب ، وهو لا يفعل شيئا لأجل نفسه إلّا لأنّه يريد به راحتها ونفعها ، فلمّا آل بهم الكنز إلى العذاب الأليم كانوا قد خابوا وخسروا فيما انتفعوا به من الذهب والفضة ، بما كان أضعافا مضاعفة من ألم العذاب وجملة فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ توبيخ وتنديم . والفاء في فَذُوقُوا لتفريع مضمون جملة التوبيخ على جملة التنديم الأولى . والذوق مجاز في الحسّ بعلاقة الإطلاق ، وتقدم عند قوله تعالى : لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ في سورة العقود [ 95 ] . و ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ مفعول لفعل الذوق على تقدير مضاف يعلم من المقام : أي ذوقوا عذاب ما كنتم تكنزون .