الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
51
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
فيه من عمارة المسجد الحرام وسقاية الحاجّ ، فلم يهدهم اللّه إلى الخير ، وذلك برهان على أنّ الإيمان هو الأصل ، وأنّ شعبه المتولّدة منه أفضل الأعمال ، وأنّ ما عداها من المكارم والخيرات في الدرجة الثانية في الفضل ، لأنّها ليست من شعب الإيمان ، وإن كان كلا الصفتين لا ينفع إلّا إذا كان مع الإيمان ، وخاصّة الجهاد . وفيه إيماء إلى أنّه : لولا الجهاد لما كان أهل السقاية وعمارة المسجد الحرام مؤمنين ، فإنّ إيمانهم كان من آثار غزوة فتح مكة وجيش الفتح إذ آمن العباس بن عبد المطلب وهو صاحب السقاية ، وآمن عثمان بن طلحة وهو صاحب عمارة المسجد الحرام . فأمّا ما رواه الطبري والواحدي عن ابن عباس : من أنّ نزول هذه الآية كان يوم بدر ، بسبب المماراة التي وقعت بين علي بن أبي طالب والعباس ، فموقع التذييل بقوله : وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ واضح : أي لا يهدي المشركين الذين يسقون الحاجّ ويعمرون المسجد الحرام ، إذ لا يجدي ذلك مع الإشراك . فتبيّن أنّ ما توهّموه من المساواة بين تلك الأعمال وبين الجهاد ، وتنازعهم في ذلك ، خطأ من النظر ، إذ لا تستقيم تسوية التابع بالمتبوع والفرع بالأصل ، ولو كانت السقاية والعمارة مساويتين للجهاد لكان أصحابهما قد اهتدوا إلى نصر الإيمان ، كما اهتدى إلى نصره المجاهدون ، والمشاهدة دلّت على خلاف ذلك : فإنّ المجاهدين كانوا مهتدين ولم يكن أهل السقاية والعمارة بالمهتدين . فالهداية شاع إطلاقها مجازا باستعارتها لمعنى الإرشاد على المطلوب ، وهي بحسب هذا الإطلاق مراد بها مطلوب خاص وهو ما يطلبه من يعمل عملا يتقرب به إلى اللّه ، كما يقتضيه تعقيب ذكر سقاية الحاج وعمارة المسجد بهذه الجملة . وكنّي بنفي الهداية عن نفي حصول الغرض من العمل . والمعنى : واللّه لا يقبل من القوم المشركين أعمالهم . و نسب إلى ابن وردان أنّه روي عن أبي جعفر أنّه قرأ : سقاة الحاج - بضم السين جمع الساقي - وقرأ وعمرة - بالعين المفتوحة وبدون ألف وبفتح الراء جمع عامر - وقد اختلف فيها عن ابن وردان . [ 20 ] [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 20 ] الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ ( 20 )