الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
52
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
هذه الجملة مبيّنة لنفي الاستواء الذي في جملة لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ [ التوبة : 19 ] ومفصّلة للجهاد الذي في قوله : كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [ التوبة : 19 ] بأنّه الجهاد بالأموال والأنفس ، وإدماج لبيان مزية المهاجرين من المجاهدين . و ( الذين هاجروا ) هم المؤمنون من أهل مكة وما حولها ، الذين هاجروا منها إلى المدينة لما أذنهم النبي صلى اللّه عليه وسلم بالهجرة إليها بعد أن أسلموا ، وذلك قبل فتح مكة . والمهاجرة : ترك الموطن والحلول ببلد آخر ، وهي مشتقّة من الهجر وهو الترك ، واشتقّت لها صيغة المفاعلة لاختصاصها بالهجر القوي وهو هجر الوطن ، والمراد بها - في عرف الشرع - هجرة خاصّة : وهي الهجرة من مكة إلى المدينة ، فلا تشمل هجرة من هاجر من المسلمين إلى بلاد الحبشة لأنّها لم تكن على نية الاستيطان بل كانت هجرة مؤقتة ، وتقدّم ذكر الهجرة في آخر سورة الأنفال . والمفضل عليه محذوف لظهوره : أي أعظم درجة عند اللّه من أصحاب السقاية والعمارة الذين آمنوا ولم يهاجروا ولم يجاهدوا الجهاد الكثير الذي جاهده المسلمون أيام بقاء أولئك في الكفر ، والمقصود تفضيل خصالهم . والدرجة تقدّمت عند قوله تعالى : وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ في سورة البقرة [ 228 ] . وقوله : لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ في أوائل الأنفال [ 4 ] . وهي في كلّ ذلك مستعارة لرفع المقدار . و عِنْدَ اللَّهِ إشارة إلى أنّ رفعة مقدارهم رفعة رضى من اللّه وتفضيل بالتشريف ، لأنّ أصل ( عند ) أنّها ظرف للقرب . وجملة وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ معطوفة على أَعْظَمُ دَرَجَةً أي : أعظم وهم أصحاب الفوز . وتعريف المسند باللام مفيد للقصر ، وهو قصر ادّعائي للمبالغة في عظم فوزهم حتّى إن فوز غيرهم بالنسبة إلى فوزهم يعدّ كالمعدوم . والإتيان باسم الإشارة للتنبيه على أنّهم استحقوا الفوز لأجل تلك الأوصاف التي ميّزتهم : وهي الإيمان والهجرة والجهاد بالأموال والأنفس . [ 21 ، 22 ] [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 21 إلى 22 ] يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ ( 21 ) خالِدِينَ فِيها أَبَداً إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ( 22 ) بيان للدرجة العظيمة التي في قوله : أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ [ التوبة : 20 ] فتلك الدرجة