الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
212
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
لا تخلو من الركوع والسجود . و الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ : الذين يدعون الناس إلى الهدى والرشاد وينهونهم عما ينكره الشرع ويأباه . وإنما ذكر الناهون عن المنكر بحرف العطف دون بقية الصفات ، وإن كان العطف وتركه في الأخبار ونحوها جائزين ، إلا أن المناسبة في عطف هذين دون غيرهما من الأوصاف أن الصفات المذكورة قبلها في قوله : الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ ظاهرة في استقلال بعضها عن بعض . ثم لما ذكر الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ علم أن المراد الجامعون بينهما ، أي المصلون بالنسبة إلى المسلمين . ولأن الموصوفين بالركوع والسجود ممن وعدهم اللّه في التوراة والإنجيل كانت صلاة بعضهم ركوعا فقط ، قال تعالى في شأن داود عليه السلام : وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ [ ص : 24 ] ، وبعض الصلوات سجودا فقط كبعض صلاة النصارى ، قال تعالى : يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ [ آل عمران : 43 ] . ولما جاء بعده الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وكانا صفتين مستقلتين عطفتا بالواو لئلا يتوهم اعتبار الجمع بينهما كالوصفين اللذين قبلهما وهما الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ فالواو هنا كالتي في قوله تعالى : ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً [ التوبة : 112 ] . و الْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ : صفة جامعة للعمل بالتكاليف الشرعية عند توجهها . وحقيقة الحفظ توخي بقاء الشيء في المكان الذي يراد كونه فيه رغبة صاحبه في بقائه ورعايته عن أن يضيع . ويطلق مجازا شائعا على ملازمة العمل بما يؤمر به على نحو ما أمر به وهو المراد هنا ، أي والحافظون لما عين اللّه لهم ، أي غير المضيعين لشيء من حدود اللّه . وأطلقت الحدود مجازا على الوصايا والأوامر . فالحدود تشمل العبادات والمعاملات لما تقدم في قوله تعالى : تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها في سورة البقرة [ 229 ] . ولذلك ختمت بها هذه الأوصاف . وعطفت بالواو لئلا يوهم ترك العطف أنها مع التي قبلها صفتان متلازمتان معدودتان بعد صفة الأمر بالمعروف . وقال جمع من العلماء : إن الواو في قوله : وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ واو يكثر وقوعها في كلام العرب عند ذكر معدود ثامن ، وسمّوها واو الثّمانية . قال ابن عطية : ذكرها ابن خالويه في مناظرته لأبي علي الفارسي في معنى قوله تعالى : حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها [ الزمر : 73 ] . وأنكرها أبو علي الفارسي . وقال ابن هشام في « مغني