الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

176

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ [ التوبة : 87 ] كما تقدّم . وفي حرف الاستدراك إشارة إلى الاستغناء عن نصرة المنافقين بنصرة المؤمنين الرسول كقوله : فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ [ الأنعام : 89 ] . وقد مضى الكلام على الجهاد بالأموال عند قوله تعالى : انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ [ التوبة : 41 ] . وفي قوله : وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ تعريض بأنّ الذين لم يجاهدوا دون عذر ليسوا بمؤمنين . و مَعَهُ في موضع الحال من الَّذِينَ لتدلّ على أنّهم أتباع له في كلّ حال وفي كلّ أمر ، فإيمانهم معه لأنّهم آمنوا به عند دعوته إيّاهم ، وجهادهم بأموالهم وأنفسهم معه ، وفيه إشارة إلى أنّ الخيرات المبثوثة لهم في الدنيا والآخرة تابعة لخيراته ومقاماته . وعطفت جملة : وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ على جملة جاهَدُوا ولم تفصل مع جواز الفصل ليدلّ بالعطف على أنّها خبر عن الذين آمنوا ، أي على أنّها من أوصافهم وأحوالهم لأنّ تلك أدلّ على تمكّن مضمونها فيهم من أن يؤتى بها مستأنفة كأنّها إخبار مستأنف . والإتيان باسم الإشارة لإفادة أنّ استحقاقهم الخيرات والفلاح كان لأجل جهادهم . والخيرات : جمع خير على غير قياس . فهو ممّا جاء على صيغة جمع التأنيث مع عدم التأنيث ولا علامته مثل سرادقات وحمّامات . وجعله كثير من اللغويين جمع ( خيرة ) بتخفيف الياء مخفّف ( خيّرة ) المشدّد الياء التي هي أنثى ( خيّر ) ، أو هي مؤنّث ( خير ) المخفّف الياء الذي هو بمعنى أخير . وإنّما أنّثوا وصف المرأة منه لأنّهم لم يريدوا به التفضيل ، وعلى هذا كلّه يكون خيرات هنا مؤولا بالخصال الخيّرة ، وكلّ ذلك تكلّف لا داعي إليه مع استقامة الحمل على الظاهر . والمراد منافع الدنيا والآخرة . فاللام فيه للاستغراق . والقول في وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ كالقول في نظيره في أول سورة البقرة . [ 89 ] [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 89 ] أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 89 )