الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

177

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

استئناف بياني لجواب سؤال ينشأ عن الإخبار ب وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ [ التوبة : 88 ] . والإعداد : التهيئة . وفيه إشعار بالعناية والتهمّم بشأنهم . وتقدّم القول في نظير هذه الآية في قوله قبل وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً [ التوبة : 72 ] الآية . [ 90 ] [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 90 ] وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 90 ) عطفت جملة : وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ على جملة اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ [ التوبة : 86 ] ، وما بينهما اعتراض ، فالمراد بالمعذّرين فريق من المؤمنين الصادقين من الأعراب ، كما تدلّ عليه المقابلة بقوله : وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ . وعلى هذا المعنى فسّر ابن عبّاس ، ومجاهد ، وكثير . وجعلوا من هؤلاء غفارا ، وخالفهم قتادة فجعلهم المعتذرين كذبا ، وهم بنو عامر رهط عامر بن الطفيل ، قالوا للنبي صلى اللّه عليه وسلم إن خرجنا معك أغارت أعراب طيئ على بيوتنا . ومن المعذّرين الكاذبين أسد ، وغطفان . وعلى الوجهين في التفسير يختلف التقدير في قوله : الْمُعَذِّرُونَ فإن كانوا المحقين في العذر فتقدير الْمُعَذِّرُونَ أنّ أصله المعتذرون ، من اعتذر أدغمت التاء في الذال لتقارب المخرجين لقصد التخفيف ، كما أدغمت التاء في الصاد في قوله : وَهُمْ يَخِصِّمُونَ [ يس : 49 ] ، أي يختصمون . وإن كانوا الكاذبين في عذرهم فتقدير المعذرون : أنّه اسم فاعل من عذّر بمعنى تكلّف العذر فعن ابن عباس : لعن اللّه المعذرين . قال الأزهري : ذهب إلى أنّهم الذين يعتذرون بلا عذر فكأن الأمر عنده أنّ المعذّر بالتشديد هو المظهر للعذر اعتلالا وهو لا عذر له اه . وقال شارح « ديوان النابغة » عند قول النابغة : ودّع أمامة والتوديع تعذير أي لا يجد عذرا غير التوديع . ويجوز أن يكون اختيار صيغة المعذّرين من لطائف القرآن لتشمل الذين صدقوا في العذر والذين كذبوا فيه . والاعتذار افتعال من باب ما استعمل فيه مادة الافتعال للتكلّف في الفعل والتصرّف